من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
قضى ليلته مُعَلّقا فِي بادهنج
وَيُشبه هَذَا الحَدِيث، ويقاربه، وَإِن لم يكن فِي الْحَقِيقَة من بَاب من خرج من حبس، إِلَّا أَنه من أَخْبَار الْفرج فِي الْجُمْلَة، مَا حَدثنِي بِهِ أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى الْأَنْبَارِي الْكَاتِب، صهر أبي مُحَمَّد المهلبي الْوَزير، قَالَ: سَمِعت دلويه، كَاتب صافي الحرمي، يتحدث، قَالَ: كَانَ فِي دَار المقتدر بِاللَّه، عريف على بعض الفراشين، يخدمني وصافيا إِذا أَقَمْنَا فِي دَار الْخَلِيفَة، فَفَقَدته فِي الدَّار، وظننته عليلا، فَلَمَّا كَانَ بعد شهور، رَأَيْته فِي بعض الطّرق، بزِي التُّجَّار، وَقد شَاب.
فَقلت: فلَان؟ قَالَ: نعم، عَبدك يَا سَيِّدي.
فَقلت: مَا هَذَا الشيب فِي هَذِه الشُّهُور الْيَسِيرَة، وَمَا هَذَا الزي؟ وَأَيْنَ كنت؟ فلجلج.
فَقلت لغلماني: احملوه إِلَى دَاري، وَقلت: حَدثنِي حَدِيثك.
فَقَالَ: على أَن لي الْأمان والكتمان.
فَقلت: نعم.
فَقَالَ: كَانَ الرَّسْم الَّذِي تعرفه على كل عريف فِي الدَّار من الفراشين، أَن يدْخل يَوْمًا من الْأَيَّام، هُوَ وَمن مَعَه فِي عرافته، إِلَى دور الْحرم، لرش الخيوش الَّتِي فِيهَا.
فبلغت النّوبَة إِلَيّ، فِي يَوْم كنت فِيهِ مخمورا، فَدخلت، وَمَعِي رجالي، إِلَى دَار فُلَانَة، وَذكر حظية جليلة من حظايا المقتدر بِاللَّه، لرش الخيش.
فلعظم مَا كنت فِيهِ من الْخمار، مَا رششت قربتي، وَلم أخرج بِخُرُوج الرِّجَال، وَقلت لَهُم: امضوا، فهاتوا قربكم لإتمام الرش، فَإِذا رششتموها فأنبهوني، فَإِنِّي نَائِم هُنَا.
وَدخلت خلف الخيش، إِلَى بَاب بادهنج تخرج مِنْهُ ريح طيبَة، فَنمت،
وَغلب عَليّ النّوم، إِلَى أَن جَاءَ الفراشون، وفرغوا من رش الخيش، وَخَرجُوا وَلم ينبهوني.
وَتَمَادَى بِي النّوم، فَمَا انْتَبَهت إِلَّا بحركة فِي الخيش، فَقُمْت، فَإِذا أَنا قد أمسيت، وَإِذا صَوت نسَاء فِي الخيش، فَعلمت أَنِّي مقتول إِن أحس بِي، وتحيرت فَلم أدر مَا أعمل، فَدخلت البادهنج، وَكَانَ ضيقا، فَجعلت رجْلي على حائطي البادهنج وتسلقت فِيهِ، ووقفت مُعَلّقا، أترقب أَن يفْطن لي، فأقتل.
وَإِذا بنسوة فراشات يكنسن الخيش، فَلَمَّا فرغن من ذَلِك فرشنه، وعبي فِيهِ مجْلِس الشَّرَاب.
وَلم يكن بأسرع من أَن جَاءَ المقتدر بِاللَّه، وعدة جواري، فَجَلَسَ وجلسن وَأخذ الْجَوَارِي فِي الْغناء، وَأَنا أسمع ذَلِك كُله، وروحي تكَاد تخرج، فَإِذا أعييت، نزلت فَجَلَست فِي أَرض البادهنج، فَإِذا استرحت، وَخفت أَن يفْطن بِي، عدت فتسلقت، إِلَى أَن مَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، ثمَّ عَن للمقتدر أَن جذب إِلَيْهِ حظيته الَّتِي هِيَ صَاحِبَة تِلْكَ الدَّار، فَانْصَرف بَاقِي الْجَوَارِي، وخلا الْموضع، فواقع المقتدر بِاللَّه الْجَارِيَة، وَأَنا أسمع حركتهما وكلامهما، ثمَّ نَامَا فِي مكانهما، وَلَا سَبِيل لي إِلَى النّوم لَحْظَة وَاحِدَة، لما أقاسي من الْخَوْف.
ففكرت فِي أَن أخرج وأصعد إِلَى بعض السطوح، ثمَّ علمت أَنِّي إِن فعلت ذَلِك، تعجلت الْقَتْل، وَلم يجز أَن أنجو.
فَلم تزل حَالي تِلْكَ إِلَى أَن انتبه المقتدر بِاللَّه فِي السحر، وَخرج من الْموضع.
فَلَمَّا كَانَ من غَد نصف النَّهَار، جَاءَ عريف آخر من الفراشين، وَمَعَهُ رِجَاله، فرشوا الخيش، فَخرجت فاختلطت بهم.
فَقَالُوا: أيش تعْمل هَهُنَا؟ فأومأت إِلَيْهِم بِالسُّكُوتِ، وَقلت: الله، الله، فِي دمي، فَإِن حَدِيثي طَوِيل، فتذمموا أَن يفضحوني.
وَقَالَ بَعضهم: مَا بَال لحيتك قد شابت؟ فَقلت: لَا أعلم، وَأخذت مَاء من قربَة بَعضهم، فرطبت بِهِ قربتي، وَخرجت بخروجهم.
فَلَمَّا صرت فِي مَوضِع من دَار الْخَلِيفَة، وَقعت مغشيا عَليّ، وركبتني حمى عَظِيمَة وَذهب عَقْلِي، فَحَمَلَنِي الفراشون إِلَى منزلي، وَأَنا لَا أَعقل، فأقمت مبرسما مُدَّة طَوِيلَة.
وَقد كنت عَاهَدت الله تَعَالَى، وَأَنا فِي البادهنج، إِن هُوَ خلصني، أَن لَا أخدم أحدا أبدا، وَلَا أشْرب النَّبِيذ، وأقلعت عَن أَشْيَاء تبت مِنْهَا.
فَلَمَّا تفضل الله تَعَالَى بالعافية، وفيت بِالنذرِ، وبعت أَشْيَاء كَانَت لي، وضممتها إِلَى دَرَاهِم كَانَت عِنْدِي، ولزمت دكانا لحميي أتعلم فِيهِ التِّجَارَة مَعَه، وأتجر، وَتركت الدَّار، فَمَا عدت إِلَيْهَا إِلَى الْآن، وَلَا أَعُود أبدا إِلَى خدمَة النَّاس، وَلَا أنقض مَا تبت مِنْهُ.
قَالَ: وَرَأَيْت لحيته وَقد كثر فِيهَا الشيب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع