تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

ابْن الْفُرَات يصفح عَمَّن أَسَاءَ إِلَيْهِ

حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن هِشَام، قَالَ: كَانَ أَبُو الْحسن بن الْفُرَات، لما ولي الوزارة الأولى، وجد سُلَيْمَان بن الْحسن يتقلد مجْلِس الْمُقَابلَة فِي ديوَان الْخَاصَّة، من قبل عَليّ بن عِيسَى، والديوان كُله، إِذْ ذَاك، إِلَى عَليّ بن عِيسَى، فقلد أَبُو الْحسن بن الْفُرَات، سُلَيْمَان، الدِّيوَان بأسره، فَأَقَامَ يتقلده نَحْو سنتَيْن.

فَقَامَ لَيْلَة فِي دَار ابْن الْفُرَات يُصَلِّي الْمغرب، فَسَقَطت من كمه رقْعَة، فرآها بعض من حضر، فَأَخذهَا، وَلم يفْطن لَهَا سُلَيْمَان، وَقرأَهَا فَوَجَدَهَا سِعَايَة، بِخَطِّهِ، بِابْن الْفُرَات وأسبابه، إِلَى المقتدر بِاللَّه، وسعيا لِابْنِ عبد الحميد، كَاتب السيدة، فِي الوزارة فتقرب بهَا إِلَى ابْن الْفُرَات، فَقبض على سُلَيْمَان فِي الْوَقْت، وأنفذه فِي زورق مطبق إِلَى وَاسِط، فحبسه بهَا، وصادره، وعذبه، فَكَانَ فِي الْعَذَاب دهرا، وأيس مِنْهُ، فَبلغ ابْن الْفُرَات، أَن أم سُلَيْمَان بن الْحسن قد مَاتَت بِبَغْدَاد، وَأَنَّهَا كَانَت

تتمنى رُؤْيَته قبل مَوتهَا، فَاغْتَمَّ لذَلِك، وتذكر الْمَوَدَّة بَينه وَبَين أَبِيه الْحسن بن مخلد، فَبَدَأَ، وَكتب إِلَيْهِ بِخَطِّهِ كتابا، أَقْرَأَنِيهِ سُلَيْمَان بن الْحسن بعد سِنِين كَثِيرَة من تِلْكَ الْحَال، فحفظته، ونسخته: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: ميزت، أكرمك الله، بَين حَقك وجرمك، فَوجدت الْحق يُوفي على الجرم، وتذكرت من سالف حرمتك، فِي الْمنَازل الَّتِي فِيهَا ربيت، وَبَين أَهلهَا غذيت، مَا ثناني إِلَيْك، وعطفني عَلَيْك، وأعادني لَك إِلَى أفضل مَا عهِدت، وأجمل مَا ألفت، فثق، أكرمك الله، بذلك، وأسكن إِلَيْهِ، وعول فِي صَلَاح مَا اخْتَلَّ من أَمرك عَلَيْهِ، وَاعْلَم أَنِّي أراعي فِيك حُقُوق أَبِيك، الَّتِي تقوم بتوكيد السَّبَب، مقَام اللحمة وَالنّسب، وتسهل مَا عظم من جنايتك، وتقلل مَا كثر من إساءتك، وَلنْ أدع مراعاتها والمحافظة عَلَيْهَا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى، وَقد قلدتك أَعمال دستميسان لسنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، وبقايا مَا قبلهَا، وكتبت إِلَى أَحْمد بن مُحَمَّد بن حبش، بِحمْل عشرَة آلَاف دِرْهَم إِلَيْك، فتقلد هَذِه الْأَعْمَال، وَأثر فِيهَا أثرا جميلا يبين عَن كفايتك وَيُؤَدِّي إِلَى مَا أبغيه من زيادتك، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: أَحْمد بن حبش هَذَا، كَانَ وَكيل ابْن الْفُرَات فِي ضيَاعه بواسط.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.