من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
خُزَيْمَة بن هازم يصرف الْحَرَّانِي ويعقد لَهُ على طَرِيق الْفُرَات
وجدت فِي كتاب أبي الْفرج عبد الْوَاحِد المَخْزُومِي الحنطبي، عَن عَليّ بن الْعَبَّاس النوبختي، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عبد الله التغلبي، قَالَ: كَانَ من بقايا شُيُوخ خُرَاسَان، مِمَّن يلْزم دَار الْعَامَّة بسر من رأى، شيخ يكنى أَبَا عصمَة، وَكَانَ يحدثنا كثيرا، بأخبار الدولة وَأَهْلهَا، فحدثنا يَوْمًا: أَن خُزَيْمَة بن خازم كَانَ يجلس فِي دَاره للنَّاس، فِي كل يَوْم ثلاثاء، فَلَا يحجب عَنهُ أحد، وَلَا يسْتَأْذن لمن يدْخل، إِنَّمَا يدْخلُونَ أَرْسَالًا، بِغَيْر إِذن، فَمن كَانَ من الْأَشْرَاف ووجوه النَّاس، سلم وَانْصَرف، وَمن كَانَ من طلاب الْحَوَائِج، أَو خطاب التَّصَرُّف، دفع رقعته إِلَى الْحَاجِب، فيجتمع النَّاس ويدخلون، فَيعرض رقاعهم عَلَيْهِ.
وَكَانَ قد أفرد لهَذَا كَاتبا حصيفا، يُقَال لَهُ: الْحسن بن مسلمة، يتصفح الرّقاع قبل عرضهَا عَلَيْهِ، فَمَا كَانَ يجوز أَن يُوقع عَنهُ فِيهِ بِخَطِّهِ، وَقع وَسلمهُ إِلَى أربابه، وَمَا كَانَ لَا بُد من وُقُوفه عَلَيْهِ، وتوقيعه فِي بِخَطِّهِ، أوقفهُ عَلَيْهِ، وَمن كَانَ من النَّاس زَائِرًا، أَو مسترفدا، عرضت رقعته عَلَيْهِ، فَيكون هُوَ الْموقع فِيهَا بِمَا يرَاهُ.
فَلَا يكَاد ينْصَرف أحد من ذَلِك الْجمع الْعَظِيم المفرط، إِلَّا وَهُوَ مسرور بِقَضَاء حَاجته.
قَالَ أَبُو عصمَة: وَكَانَ مِمَّن يتَصَرَّف فِي الْأَعْمَال، رجل من الْأَعْرَاب، ذُو لِسَان وفصاحة، يُقَال لَهُ: حَامِد بن عَمْرو الْحَرَّانِي، وَكَانَ فِيهِ إلحاح شَدِيد، وملازمة تَامَّة إِذا تعطل، فيؤذي بذلك ويبرم.
وَكَانَ يُخَاطب خُزَيْمَة فِي أَيَّام الثُّلَاثَاء، وَلَا يقنع بذلك، حَتَّى يلازم بَابه كل يَوْم، وَإِذا ركب خاطبه على الطَّرِيق، وَرُبمَا تعرض لَهُ فِي دَار الْخَلِيفَة فخاطبه، وَلم يكن فِي طبع خُزَيْمَة احْتِمَال مثل ذَلِك.
قَالَ أَبُو عصمَة: فَحَدثني الْحسن بن مسلمة، كَاتب خُزَيْمَة، قَالَ: نظر خُزَيْمَة إِلَى هَذَا الرجل فِي دَاره، وَكَانَ قد لقِيه فِي الطَّرِيق، فخاطبه قبل ذَلِك بِيَوْم، وأضجره، وَوَافَقَ من خُزَيْمَة ضجرا بِشَيْء حدث من أُمُور المملكة، مَعَ مَا فِيهِ من الجبروتية وَالْكبر.
فحين خاطبه الرجل صَاح فِيهِ، وَأمر بِإِخْرَاجِهِ من دَاره إخراجا عنيفا، ثمَّ دَعَاني، فَقَالَ: وَالله، لَئِن دخل هَذَا دَاري، لَأَضرِبَن عُنُقه، وَلَئِن وقف لي على طَرِيق، أَو كلمني فِي دَار السُّلْطَان، لَأَضرِبَن عُنُقه، فَأخْبرهُ بذلك، وحذره، وَتقدم إِلَى البوابين والحجاب بِمَنْعه، وَكَانَ خُزَيْمَة إِذا وعد أَو توعد، فَلَيْسَ إِلَّا الْوَفَاء.
فَخرجت إِلَى الْحجاب والبوابين وَأَصْحَاب المقارع، فبالغت فِي تحذيرهم، وتهديدهم، وعرفتهم مَا قَالَ، وَأَنه حلف أَن تضرب أَعْنَاقهم إِذا خالفوا، وأكدت الْوَصِيَّة بجهدي، مستظهرا لنَفْسي.
وَخرجت إِلَى خَارج الدَّار، فَوجدت الرجل قَائِما، فأعلمته أَن دَمه مُرْتَهن بنظرة ينظرها إِلَيْهِ خُزَيْمَة فِي دَار السُّلْطَان، أَو على بَابه، أَو فِي الطَّرِيق، وحذرته تحذيرا شَدِيدا، وخوفته من سفك دَمه، وَأَن لَا يَجْعَل عَلَيْهِ سَبِيلا، فشكرني على تحذيره، وَانْصَرف كئيبا.
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا من الْغَد، غَدَوْت إِلَى دَار خُزَيْمَة على رسمي، للملازمة، فَلَمَّا دَنَوْت من الْبَاب، إِذا بِالرجلِ وَاقِفًا كَمَا كَانَ يقف منتظرا لركوبه.
فَعظم ذَلِك عَليّ، وَقلت: يَا هَذَا، أما تخَاف الله؟ أَتُحِبُّ أَن تقتل نَفسك؟ أما تعرف الرجل؟ فَقَالَ: وَالله، مَا أتيت هَذَا عَن جهل مني وَلَا اغترار، بل أَتَيْته على أصل قوي، وَسبب وثيق، وسترى من لطف الله مَا يَسُرك، وتعجب مِنْهُ.
قَالَ الْحسن: فَزَاد عجبي مِنْهُ، وَدخلت الدَّار، فصادفت خُزَيْمَة فِي صحن الدَّار يُرِيد الرّكُوب، فحين نظر إِلَيّ، قَالَ: مَا فعل حَامِد بن عَمْرو؟ قلت: رَأَيْته السَّاعَة بِالْبَابِ، وَقد تهددته، فَلَمَّا رَأَيْته الْيَوْم بِالْبَابِ تعجبت من جَهله وَعوده، مَعَ مَا أعذرت إِلَيْهِ من الْوَعيد، وأمرته بالانصراف، فَأَجَابَنِي بِجَوَاب لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَنا بَرِيء من فعله.
فَقَالَ: بِأَيّ شَيْء أجابك؟ فَأَخْبَرته، فَسكت خُزَيْمَة، وَخرج فَركب، فحين رَآهُ حَامِد ترجل لَهُ.
فصاح بِهِ: لَا تفعل، والحقني إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ وَسَار خُزَيْمَة، فَدخل دَار الرشيد، ودخلنا مَعَه إِلَى حَيْثُ جرت عادتنا أَن نبلغه من الدَّار، فَجَلَسْنَا فِيهِ، وَمضى خُزَيْمَة يُرِيد الْخَلِيفَة، وَجَاء حَامِد فَجَلَسَ إِلَى جَانِبي.
فَقلت لَهُ: أصدقني عَن خبرك، وَالسَّبَب فِي جسارتك على خُزَيْمَة، وَلينه لَك بعد الغلظة، وعرفته مَا جرى بيني وَبَين خُزَيْمَة ثَانِيًا.
فَقَالَ: طب نفسا، فَمَا أبدي لَك شَيْئا إِلَّا بعد بُلُوغ آخر الْأَمر.
فَبَيْنَمَا نَحن كَذَلِك، إِذْ دعِي حَامِد إِلَى حَيْثُ كَانَ مرسوما بِأَن يدْخلهُ من يخلع عَلَيْهِ، فتحيرت فَلم يكن بأسرع من أَن خرج وَعَلِيهِ الْخلْع، وَبَين يَدَيْهِ لِوَاء قد عقد لَهُ على طَرِيق الْفُرَات بأسره، فَقُمْت إِلَيْهِ وهنأته.
وَقلت: وَلَا السَّاعَة تُخبرنِي الْخَبَر؟ فَقَالَ: مَا فَاتَ شَيْء، وودعني وَمضى، فأقمت بمكاني إِلَى أَن خرج خُزَيْمَة، فسرت مَعَه إِلَى دَاره، فَلَمَّا اسْتَقر دَعَاني، فَسَأَلَنِي عَن أُمُور جرت.
وَقَالَ: أَظُنك أنْكرت مَا جرى من أَمر حَامِد؟ قلت: إِي وَالله، أَيهَا الْأَمِير.
قَالَ: فاسمع الْخَبَر، اعْلَم أَنِّي كنت فِي نِهَايَة الغيظ عَلَيْهِ، وَأمرت فِيهِ بِمَا عملته أمس، فَلَمَّا كَانَ البارحة، رَأَيْته فِي النّوم، كَأَنَّهُ قَائِم يُصَلِّي، وَقد رفع يَدَيْهِ إِلَى الله يَدْعُو عليَّ.
فَصحت بِهِ: لَا تفعل، لَا تفعل، وادن مني، فَانْفَتَلَ من صلَاته، وَجَاء حَتَّى وقف بَين يَدي.
فَقلت لَهُ: مَا يحملك على أَن تَدْعُو عَليّ؟ فَقَالَ: لِأَنَّك أهنتني، واستخففت بِي، وهددتني بِالْقَتْلِ ظلما، وَقطعت أملي من طلب رِزْقِي وقوتي، وَأَنا أشكوك إِلَى الله، وَأَسْتَعِينهُ عَلَيْك.
وَكَأَنِّي أَقُول لَهُ: طب نفسا، وَلَا تدع عَليّ، فَإِنِّي أحسن إِلَيْك غَدا، وأوليك عملا، واستيقظت.
فعجبت من الْمَنَام، وَعلمت أَنِّي قد ظلمت الرجل، وَقلت فِي نَفسِي: شيخ من الْعَرَب، لَهُ سنّ وَشرف، أَسَأْت إِلَيْهِ بِغَيْر جرم، وأرعبته، وماذا عَلَيْهِ إِذا لج فِي طلب الرزق؟ وَعلمت أَن الَّذِي رَأَيْته فِي مَنَامِي موعظة فِي أمره، وحث على حفظ النعم، وَأَن لَا أنفرها بقلة الشُّكْر، وَاسْتِعْمَال الظُّلم.
فاعتقدت أَن أوليه، كَمَا وعدته فِي النّوم، فَكَانَ مَا رَأَيْت.
قَالَ الْحسن بن مسلمة: فَقَوِيت رَأْيه فِي هَذَا، ودعوت لَهُ، وانصرفت، فَجَاءَنِي من الْعشي حَامِد، مُسلما، ومودعا، ليخرج إِلَى عمله.
فَقلت لَهُ: هَات الْآن خبرك.
فَقَالَ: نعم، انصرفت من بَاب خُزَيْمَة موجع الْقلب، قلقا، مرتاعا.
فَأخْبرت عيالي، فَصَارَ فِي دَاري مأتم، وبكاء عَظِيم، وَلم أطْعم أَنا، وَلَا هم شَيْئا يَوْمنَا وليلتنا، وأمسيت كَذَلِك.
فَلَمَّا هدأت الْعُيُون تَوَضَّأت، واستقبلت الْقبْلَة، فَصليت مَا شَاءَ الله، وتضرعت إِلَى الله، ودعوته بإخلاص نِيَّة، وَصدق طوية، وأطلت، فحملتني عَيْني، فَنمت وَأَنا ساجد فِي الْقبْلَة.
فَرَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَنِّي على حَالي فِي الصَّلَاة وَالدُّعَاء، وَكَأن خُزَيْمَة قد وقف عَليّ، وَأَنا أَدْعُو، فصاح بِي: لَا تفعل، لَا تفعل، واغد عَليّ، فَإِنِّي أحسن إِلَيْك، وأوليك، فانتبهت مذعورا، وَقد قويت نَفسِي، فَقلت: أبكر إِلَيْهِ، فَلَعَلَّ الله أَن يطْرَح فِي قلبه الرقة، فَغَدَوْت إِلَيْهِ، فَكَانَ مَا رَأَيْت.
قَالَ الْحسن: فَكثر تعجبي لِاتِّفَاق المنامين، فَقلت لحامد، لقد أَخْبرنِي الْأَمِير بِمثل مَا ذكرته، لم يخرم مِنْهُ حرفا، وبكرت إِلَى خُزَيْمَة، فَحَدَّثته بِالْحَدِيثِ، فَعجب مِنْهُ، وأحضر حامدا حَتَّى سمع مِنْهُ ذَلِك، وَأمر لَهُ بكسوة وصلَة وحملان، وَلم يزل بعد ذَلِك يتَعَمَّد إكرامه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع