تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

رأى فِي الْمَنَام أَن غناهُ بِمصْر

حَدثنِي أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد الْبَغْدَادِيّ، صَاحب كَانَ لأبي، وَكَانَ قَدِيما يخْدم القاضيين أَبَا عمر مُحَمَّد بن يُوسُف، وَابْنه أَبَا الْحُسَيْن فِي دورهما، وَكَانَت جدته تعرف بسمسمة، قهرمانة كَانَت فِي دَار القَاضِي أبي عمر مُحَمَّد بن يُوسُف ﵀، قَالَ: كَانَ فِي جوَار القَاضِي قَدِيما، رجل انتشرت عَنهُ حِكَايَة، وَظهر فِي يَده مَال جليل، بعد فقر طَوِيل، وَكنت أسمع أَن أَبَا عمر حماه من السُّلْطَان، فَسَأَلت عَن الْحِكَايَة، فدافعني طَويلا، ثمَّ حَدثنِي، قَالَ: ورثت عَن أبي مَالا جَلِيلًا، فأسرعت فِيهِ وأتلفته حَتَّى أفضيت إِلَى بيع أَبْوَاب دَاري وسقوفها، وَلم يبْق لي من الدُّنْيَا حِيلَة، وَبقيت مُدَّة بِلَا قوت إِلَّا من غزل أُمِّي، فتمنيت الْمَوْت.

فَرَأَيْت لَيْلَة فِي النّوم، كَأَن قَائِلا يَقُول لي: غناك بِمصْر، فَاخْرُج إِلَيْهَا.

فبكرت إِلَى أبي عمر القَاضِي، وتوسلت إِلَيْهِ بالجوار، وبخدمة كَانَت من أبي لِأَبِيهِ، وَسَأَلته أَن يزودني كتابا إِلَى مصر؛ لأتصرف بهَا، فَفعل، وَخرجت.

فَلَمَّا حصلت بِمصْر أوصلت الْكتاب، وَسَأَلت التَّصَرُّف، فسد الله عَليّ الْوُجُوه حَتَّى لم أظفر بِتَصَرُّف، وَلَا لَاحَ لي شغل.

ونفدت نفقتي، فَبَقيت متحيرا، وفكرت فِي أَن أسأَل النَّاس، وأمد يَدي على الطَّرِيق، فَلم تسمح نَفسِي، فَقلت: أخرج لَيْلًا، وأسأل، فَخرجت بَين العشاءين، فَمَا زلت أَمْشِي فِي الطَّرِيق، وتأبى نَفسِي الْمَسْأَلَة، ويحملني الْجُوع

عَلَيْهَا، وَأَنا مُمْتَنع، إِلَى أَن مضى صدر من اللَّيْل.

فلقيني الطَّائِف، فَقبض عَليّ، ووجدني غَرِيبا، فَأنْكر حَالي، فَسَأَلَنِي عَن خبري، فَقلت: رجل ضَعِيف، فَلم يصدقني، وبطحني، وضربني مقارع.

فَصحت: أَنا أصدقك.

فَقَالَ: هَات.

فقصصت عَلَيْهِ قصتي من أَولهَا إِلَى آخرهَا، وَحَدِيث الْمَنَام.

فَقَالَ لي: أَنْت رجل مَا رَأَيْت أَحمَق مِنْك، وَالله لقد رَأَيْت مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة، فِي النّوم، كَأَن رجلا يَقُول لي: بِبَغْدَاد فِي الشَّارِع الْفُلَانِيّ، فِي الْمحلة الْفُلَانِيَّة، فَذكر شارعي، ومحلتي، فَسكت، وأصغيت إِلَيْهِ، وَأتم الشرطي الحَدِيث، فَقَالَ: دَار يُقَال لَهَا: دَار فلَان، فَذكر دَاري، واسمي، فِيهَا بُسْتَان، وَفِيه سِدْرَة، وَكَانَ فِي بُسْتَان دَاري سِدْرَة، وَتَحْت السِّدْرَة مدفون ثَلَاثُونَ ألف دِينَار، فَامْضِ، فَخذهَا، فَمَا فَكرت فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَا الْتفت إِلَيْهِ، وَأَنت يَا أَحمَق، فَارَقت وطنك، وَجئْت إِلَى مصر بِسَبَب مَنَام.

قَالَ: فقوي بذلك قلبِي، وأطلقني الطَّائِف، فَبت فِي بعض الْمَسَاجِد، وَخرجت مَعَ السحر من مصر، فَقدمت بَغْدَاد، فَقطعت السِّدْرَة، وأثرت تحتهَا، فَوجدت قمقما فِيهِ ثَلَاثُونَ ألف دِينَار، فَأَخَذته، وَأَمْسَكت يَدي، ودبرت أَمْرِي، فَأَنا أعيش من تِلْكَ الدَّنَانِير، من فضل مَا ابتعت مِنْهَا من ضَيْعَة وعقار إِلَى الْيَوْم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّادِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.