من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْمُعْتَمد يُطلق بريئين من حَبسه لمنام رَآهُ
حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي، فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بَعْدَمَا سمعته مِنْهُ، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن يزِيد المهلبي، قَالَ: كُنَّا لَيْلَة بَين يَدي الْمُعْتَمد على الله، فَحمل عَلَيْهِ النَّبِيذ م، فَجعل يخْفق بِرَأْسِهِ نعاسا.
فَقَالَ: لَا يبرحن أحد، ثمَّ نَام مِقْدَار نصف سَاعَة، وانتبه، وَكَأَنَّهُ مَا شرب شَيْئا.
فَقَالَ: أحضروا لي من الْحَبْس رجلا يعرف بمنصور الْجمال، فأحضر.
فَقَالَ لَهُ: مُنْذُ كم أَنْت مَحْبُوس؟ فَقَالَ: مُنْذُ ثَلَاث سِنِين.
قَالَ: فأصدقني عَن خبرك؟ قَالَ: أَنا رجل من أهل الْموصل، كَانَ لي جمل أعمل عَلَيْهِ وأعود بكرائه على عيلتي، فَضَاقَ الْكسْب عَليّ بالموصل، فَقلت: أخرج إِلَى سر من رأى فَإِن الْعَمَل ثمَّ أَكثر، فَخرجت.
فَلَمَّا قربت مِنْهَا، إِذا جمَاعَة من الْجند قد ظفروا بِقوم يقطعون الطَّرِيق، وَكتب صَاحب الْبَرِيد بعددهم، وَكَانُوا عشرَة، فَأَعْطَاهُمْ وَاحِد من الْعشْرَة مَالا على أَن يطلقوه، فأطلقوه وأخذوني مَكَانَهُ، وَأخذُوا جملي، فسألتهم بِاللَّه ﷿، وعرفتهم خبري، فَأَبَوا، ثمَّ حبسوني، فَمَاتَ بعض الْقَوْم، وَأطلق بَعضهم، وَبقيت وحدي.
فَقَالَ الْمُعْتَمد: أحضروني خمس مائَة دِينَار، فجاءوه بهَا.
فَقَالَ: ادفعوها إِلَيْهِ، وأجرى عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ دِينَارا فِي كل شهر، وَقَالَ: اجعلوا أَمر جمالنا إِلَيْهِ.
ثمَّ أقبل علينا، فَقَالَ: رَأَيْت السَّاعَة النَّبِي ﷺ، فِي النّوم، فَقَالَ: يَا أَحْمد، وَجه السَّاعَة إِلَى الْحَبْس، وَأخرج منصورا الْجمال، فَإِنَّهُ مظلوم، وَأحسن إِلَيْهِ، فَفعلت مَا رَأَيْتُمْ.
قَالَ: ثمَّ نَام من وقته، وانصرفنا.
وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، بطرِيق آخر، بأتم من هَذِه الرِّوَايَة، فَحَدثني أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد الصلحي، الَّذِي كَانَ كَاتب أبي بكر بن رائق، ثمَّ كتب لسيف الدولة، ثمَّ كَانَ آخر تصرف تصرفه، أَن كتب للمطيع لله، ﵀، على ضيَاع الْخدمَة، وخاص أمره، فِي وزارة أبي مُحَمَّد المهلبي لمعز الدولة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ الأوارجي الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد
عبد الله بن حمدون النديم، قَالَ: كَانَ الْمُعْتَمد مَعَ سماحة أخلاقه، وَكَثْرَة جوده وسخائه، شَدِيد العربدة على ندمائه إِذا سكر، لَا يكَاد يسلم لَهُ من العربدة مجْلِس إِلَّا فِي الْأَقَل، فاشتهى يَوْمًا أَن يصطبح على أترج، فَاتخذ لَهُ مِنْهُ شَيْء كثير، مفرط الْعدَد، وعبي، وحزم بعضه، فاصطبح عَلَيْهِ، وَلم يدع شَيْئا من الْخلْع والصلات والحملان، إِلَّا وَعَمله مَعَ ندمائه فِي ذَلِك الْيَوْم، وخصني مِنْهُ بالكثير، وَكَانَ كثير الشّرْب، وَكَانَت علامته إِذا أَرَادَ أَن ينْهض جُلَسَاؤُهُ، أَن يلْتَفت إِلَى سَرِير لطيف، كَانَ إِذا جلس يسْتَند إِلَيْهِ، ويشيل رجلَيْهِ، كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يصعد، فَيقوم جُلَسَاؤُهُ، فَإِذا كَانَ يُرِيد النّوم صعده، فَنَامَ،
وَإِن لم يرد النّوم، رد رجله إِذا قمنا، وَأتم شربه مَعَ بعض خدمه، أَو حرمه.
فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم، جلسنا بِحَضْرَتِهِ نهارنا أجمع، وَقطعَة من اللَّيْل، ثمَّ رد رجله إِلَى السرير فِي أول اللَّيْل، فقمنا، وَانْصَرف الجلساء إِلَى حجرَة مرسومة بهم، وانصرفت إِلَى حجرَة مرسومة بِي من بَينهم.
فَلَمَّا انتصف اللَّيْل، إِذا بالخدم يدقون بَاب حُجْرَتي، فانتبهت مَرْعُوبًا، فَقَالُوا: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقُمْت، وَقلت: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، مضى يَوْمنَا وَبَعض ليلتنا، أحسن مُضِيّ، وقدرت أَنِّي أفلت من عربدته، فقد عَن لَهُ أَن يعربد عَليّ، فاستدعاني فِي هَذَا الْوَقْت.
فَأَتَيْته وَأَنا فِي نِهَايَة الْجزع، أفكر كَيفَ أشاغله عَن العربدة، إِلَى أَن صرت بِحَضْرَتِهِ.
فَلَمَّا رَآنِي قَائِما لم يستجلسني، وَقَالَ لِخَادِمِهِ: عَليّ بِصَاحِب الشرطة السَّاعَة.
فمت جزعا، وَقلت فِي نَفسِي وَأَنا وَاقِف بَين يَدَيْهِ: لم تجر عَادَته فِي العربدة باستدعاء صَاحب الشرطة، وَمَا هَذَا إِلَّا لبلية قد احتيل بهَا عَليّ عِنْده.
فَأَقْبَلت أنظر إِلَيْهِ طَمَعا أَن يفاتحني بِكَلِمَة، فأداريه فِي الْجَواب، وَهُوَ لَا يرفع رَأسه عَن الأَرْض، إِلَى أَن جَاءَ صَاحب الشرطة، فَرفع رَأسه إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: فِي حَبسك رجل يعرف بفلان بن فلَان الْجمال؟ وَفِي رِوَايَة: يعرف بمنصور الْجمال؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: أحضرنيه السَّاعَة.
فَمضى ليحضره، فسهل عَليّ الْأَمر قَلِيلا، ووقفت، وَهُوَ لَا يخاطبني بِشَيْء، إِلَى أَن أحضر الرجل.
فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَمد: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا مَنْصُور بن فلَان الْجمال.
قَالَ: وَمَا قصتك؟ قَالَ: أَنا مظلوم، حبست مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة، وَأَنا رجل من أهل الْجبَال، كَانَ لي جمال أعيش من فضل أجرتهَا.
وَكَانَ يتقلد بلدنا فلَان الْعَامِل، فاستدعي إِلَى الحضرة، فَأخذ جمالي غصبا يَسْتَعِين بهَا فِي حمل مَتَاعه.
فتظلمت إِلَيْهِ وَصحت، فَلم يَنْفَعنِي ذَلِك، وَقَالَ: إِذا صرت بالحضرة رَددتهَا عَلَيْك.
فَخرجت مَعَه لِئَلَّا تذْهب الْجمال أصلا، فَكنت مَعَ جمالي أخدمها فِي الطَّرِيق.
فَلَمَّا قربنا من حلوان سل الأكراد مِنْهَا جملا محملًا، فَبَلغهُ الْخَبَر، فأحضرني، وَقَالَ: أَنْت سرقت الْجمل بِمَا عَلَيْهِ، فَقلت: غلمانك يعلمُونَ أَن الأكراد سلوه.
فَقَالَ: الأكراد إِنَّمَا جَاءُوا بمواطأة مِنْك، ثمَّ أَمر بضربي، وتقييدي، وطرحي على بعض جمالي.
فَلَمَّا وردنا الحضرة أنفذت إِلَى الْحَبْس، وَأخذ الْجمال، وَلم يكن لي متظلم، وَلَا مُذَكّر وَلَا مُتَكَلم، فطال حبسي، وطالت بِي المحنة إِلَى الْآن.
فَقَالَ لبَعض الخدم: امْضِ السَّاعَة إِلَى فلَان الْعَامِل، واقعد على دماغه، وَلَا تَبْرَح، أَو يرد عَلَيْهِ جماله أَو قيمتهَا على مَا يُرِيد، فَإِذا قبض ذَلِك، فاحمله إِلَى الخزانة، واكسه كسْوَة حَسَنَة، وادفع إِلَيْهِ كَذَا وَكَذَا دِينَارا، واصرفه مصاحبا.
ثمَّ قَالَ لصَاحب الشرطة: فِي حَبسك رجل يعرف بفلان بن فلَان الْحداد؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أحضرنيه السَّاعَة، فَأحْضرهُ.
فَقَالَ لَهُ: مَا قصتك؟ قَالَ: أَنا رجل حبست بظُلْم، أَنا رجل من أهل الشَّام، وَكَانَت لي نعْمَة فَزَالَتْ، فهربت من بلدي واتصلت محنتي إِلَى أَن وافيت الحضرة طلبا للتَّصَرُّف، فَتعذر عَليّ حَتَّى كدت أتلف جوعا.
فسالت عَن عمل أعمله لَيْلًا لأتوفر نَهَارا على طلب التَّصَرُّف، وَأنْفق فِي النَّهَار مَا أكسبه لَيْلًا، فأرشدت إِلَى حداد يعْمل لَيْلًا، فقصدته، فاستأجرني
بدرهم فِي كل لَيْلَة، وَكنت أعمل مَعَه، وَكَانَ مَعَه غُلَام آخر يضْرب بالمطرقة، فأفسد ذَلِك الْغُلَام على الْحداد نعلا كَانَ يضْربهَا، فاغتاظ عَلَيْهِ، ورماه بالنعل الْحَدِيد على قلته، فَتلف للْوَقْت، فهرب الْحداد، وَبقيت أَنا فِي الْموضع متحيرا لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أمضي، وأحس الحارس فِي الْحَال بِمَا رابه فِي الدّكان، فهجم عَليّ فوجدني قَائِما، والغلام مَيتا فَلم يشك أَنِّي الْقَاتِل، فَقبض عَليّ ورفعني، فحبست إِلَى الْآن، فَقَالَ لصَاحب الشرطة: خل عَنهُ.
وَقَالَ لخادم آخر: خُذْهُ فَغير حَاله، وادفع إِلَيْهِ خمس مائَة دِينَار، ودعه ينْصَرف مصاحبا.
ثمَّ رفع رَأسه إِلَيّ، وَقَالَ: يَابْنَ حمدون، الْحَمد الله الَّذِي وفقني لهَذَا الْفِعْل، فَفرج عني، فَقلت: كَيفَ تكلّف أَمِير الْمُؤمنِينَ النّظر فِي هَذَا بِنَفسِهِ، فِي مثل هَذَا الْوَقْت؟ فَقَالَ: وَيحك إِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي رجلا يَقُول لي: فِي حَبسك رجلَانِ مظلومان، يُقَال لأَحَدهمَا: مَنْصُور الْجمال، وَالْآخر: فلَان بن فلَان الْحداد، فأطلقهما السَّاعَة وَأحسن إِلَيْهِمَا وأنصفهما، فانتبهت مذعورا، ثمَّ نمت.
فَمَا استثقلت حَتَّى رَأَيْت الشَّخْص بِعَيْنِه، يَقُول لي: وَيلك آمُرك أَن تطلق رجلَيْنِ مظلومين فِي حَبسك، قد طَال مكثهما، وَأَن تنصفهما وتحسن إِلَيْهِمَا، فَلَا تفعل، وَترجع تنام؟ لقد هَمَمْت أَن أوجعك، فكاد يمد يَده إِلَيّ.
فَقلت لَهُ: يَا هَذَا من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا مُحَمَّد رَسُول الله، فَكَأَنِّي قبلت يَده، وَقلت: يَا رَسُول الله، مَا عرفتك، وَلَو عرفتك مَا تجاسرت على تَأْخِير أَمرك.
قَالَ: قُم، فاعمل فِي أَمرهمَا السَّاعَة، بِمَا أَمرتك بِهِ، فانتبهت مذعورا، فاستدعيتك لتشاهد مَا يجْرِي.
فَقلت: هَذِه عناية من رَسُول الله ﷺ بأمير الْمُؤمنِينَ، واهتمام بِمَا يصلح دينه، وَيثبت ملكه، ومنة عَظِيمَة عَلَيْهِ، لله ﷿ وَلِرَسُولِهِ ﷺ.
فَقَالَ: امْضِ فقد أزعجناك، فعدت إِلَى حُجْرَتي.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد عشيا، دخلت إِلَيْهِ وَهُوَ جَالس للشُّرْب على الرَّسْم فَأَحْبَبْت أَن أعرف الجلساء مَا جرى البارحة، ليسر هُوَ بذلك، وَكنت أعرف من طبعه أَنه يحب الإطراء والمدح، وَنشر مَا هَذَا سَبيله، فَإِنَّهُ إِذا عمل جميلا أَكثر من ذكره، وتبجح بِهِ، وَإِن كَانَ صَغِيرا.
فَقلت لَهُ: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يخبر خدمه، بِمَا كَانَ من المعجزة البارحة، وعناية رَسُول الله ﷺ بخلافته.
فَقَالَ: وَمَا ذَاك؟ فَقلت: إحضاري البارحة، وإحضار صَاحب الشرطة، وَالْجمال، والحداد، ورؤياه النَّبِي ﷺ، وَمَا أمره بِهِ فيهمَا، وَمَا تقدم بِهِ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ من إنصافهما.
فَقَالَ: وَالله مَا أذكر من هَذَا شَيْئا، وَمَا كنت إِلَّا سَكرَان، ونائما طول لَيْلَتي، وَمَا انْتَبَهت.
فَقلت: بلَى يَا سَيِّدي.
فتنكر، وَقَالَ: يَابْنَ حمدون قد صرت تغالطني وتخادعني بِالْكَذِبِ؟
فَقلت: أعيذ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِاللَّه، هَذَا أَمر مَشْهُور فِي الدَّار عِنْد الخدم الْخَاصَّة وَصَاحب الشرطة نَفسه، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، وشرحتها.
فاستدعى الخدم، فتحدثوا بِمثل مَا ذكرته، فأظهر تَعَجبا شَدِيدا، وَحلف بِاللَّه الْعَظِيم، وبالبراءة من رَسُول الله ﷺ، وبالنفي من الْعَبَّاس، أَنه لَا يذكر شَيْئا من ذَلِك، وَلَا يعلم أَنه كَانَ نَائِما، وَلَا رأى مناما، وَلَا انتبه، وَلَا جلس، وَلَا استدعى أحدا، وَلَا أَمر بِأَمْر.
فَمَا رَأَيْت أعجب من هَذَا الْمَنَام وَالْحَال، وَلَا أطرف من هَذَا الِاتِّفَاق فِي نسيانه بعد ذَلِك.
وَوجدت فِي خبر آخر، قريب من هَذَا، وَلَا يذكر فِيهِ حَدِيث الأترج، وَذكر فِيهِ أَن اسْم الْجمال، كَانَ نصرا، وَأَنه كَانَ من نهاوند، وَله جمال يكريها، وَأَن صَاحب المعونة، اكترى مِنْهُ عشْرين جملا، وَحمل عَلَيْهَا عشْرين رجلا من الأكراد أسرى، ليحملهم إِلَى الحضرة، فَسَار الْجمال مَعَهم، فهرب مِنْهُم فِي بعض الطَّرِيق وَاحِد، فَوَقع لصَاحب المعونة أَن نصرا الْجمال هربه، فقيده، وَحمله مَكَانَهُ، فَلَمَّا دخلُوا الحضرة، أنفذ الْجمال مَعَ الْقَوْم، إِلَى الْحَبْس، وَأخذ صَاحب المعونة جماله.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع