من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
سُلَيْمَان بن وهب يتفاءل بمنام رَآهُ وَهُوَ مَحْبُوس
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الحصيبي، ابْن بنت ابْن الْمُدبر، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْفضل مَيْمُون بن هَارُون بن مخلد بن أبان الْكَاتِب، قَالَ عَليّ بن هِشَام: وَمَيْمُون هَذَا، هُوَ جد أبي الْحُسَيْن بن مَيْمُون الْأَفْطَس، كَاتب المتقي فِي أَيَّام أَبِيه، ووزيره لما اسْتخْلف، قَالَ: كَانَت بيني وَبَين أبي أَيُّوب سُلَيْمَان بن وهب، مَوَدَّة وكيدة، فَلَمَّا تسهلت محنته بعد قتل إيتاخ، صرت إِلَيْهِ وَهُوَ مَحْبُوس مُقَيّد، إِلَّا أَنه مرفه فِي الْكسْوَة، وَكبر الدَّار، والفرش، وَحسن الْخدمَة، وَقد صلحت حَاله بِالْإِضَافَة إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أول نكبته من الضَّرْب والتضييق.
فَحَدثني: أَنه رأى فِي ليلته تِلْكَ، فِي مَنَامه، كَأَن قَائِلا يَقُول لَهُ:
اصبر وَرب الْبَيْت لَا يقتادهاأحد سواك وحظك الموفور
قَالَ: فصرت إِلَى أَخِيه أبي عَليّ الْحسن بن وهب، فَحَدَّثته بذلك، فسر بِهِ، وَكَانَ كالمستتر الْمُمْتَنع عَن لِقَاء السُّلْطَان، فَعمل شعرًا ضمنه الْبَيْت، وسألني إيصاله إِلَى أَخِيه أبي أَيُّوب سُلَيْمَان، فَأَخَذته، وأدخلته إِلَيْهِ، وَهُوَ:
الدمع من عَيْني أَخِيك غزيرفِي لَيْلَة ونهاره محدور
بِأبي وَأمي خطوك الْمَقْصُورأمقيد، ومصفد، وأسير؟
وَزَادَنِي غَيره، فِي غير هَذِه الرِّوَايَة:
مَاذَا بقلب أَخِيك مذ فارقتهليكاد من شوق إِلَيْك يطير
فَكَأَنَّمَا هُوَ قرحَة مقروفةمِنْهَا البلابل والهموم تثور
فكر يجول بهَا الضَّمِير كَأَنَّمَايذكو بهَا حول الشغاف سعير
وجوى دخيل لَيْسَ يعلم كنههمِمَّا يلاقيه أَخ وعشير
فيظنه أخدانه متسلياوالبث فِي أحشائه مَسْتُور
رَجَعَ إِلَى الرِّوَايَة الأولى:
مَا كنت أحسبني أعيش ومهجتيتَحت الخطوب تَدور حَيْثُ تَدور
قلقا فَإنَّك بالعزاء جديروعَلى النوائب مُنْذُ كنت صبور
عثرات مثلك فِي الزَّمَان كَثِيرَةولهن بعد مثابة وحبور
إِن تمس فِي حلق الْحَدِيد فحشوهامِنْك السماحة والندى وَالْخَيْر
والفصل للشبهات رَأْيك ثاقبفِيهَا يضيء سداده وينير
وَزَادَنِي غَيره أَيْضا:
وَتحمل العبء الثقيل بثقلهمِنْك المجرب عزمه المخبور
رَجَعَ إِلَى الرِّوَايَة الأولى:
فاصبر وَرب الْبَيْت لَا يقتادهاأحد سواك وحظك الموفور
وَالله مرجو لكربتنا مَعًاوعَلى الَّذِي نرجوه مِنْهُ قدير
قَالَ: فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى أطلق سُلَيْمَان بن وهب، ثمَّ انْتهى بعد سِنِين إِلَى الوزارة.
وَذكر هَذَا الْخَبَر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه: (كتاب الوزراء)، على قريب من هَذَا؛ إِلَّا أَنه أَتَى من الشّعْر ببيتين فَقَط.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع