من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
مَا عرض المعتضد فِي أَيَّامه للعلويين وَلَا آذاهم وَلَا قتل مِنْهُم أحدا
أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى ابْن أبي عباد الحسني، قَالَ: رأى المعتضد، وَهُوَ فِي حبس أَبِيه، كَأَن شَيخا جَالِسا على دجلة، يمد يَده إِلَى مَائِهَا فَيصير فِي يَده وتجف دجلة، ثمَّ يردهُ من يَده، فتعود دجلة كَمَا كَانَت، قَالَ: فَسَأَلت عَنهُ، فَقيل لي: هَذَا عَليّ بن أبي طَالب ﵇.
فَقُمْت إِلَيْهِ، وسلمت عَلَيْهِ، فَقَالَ لي: يَا أَحْمد، إِن هَذَا الْأَمر صائر إِلَيْك، فَلَا تتعرض لوَلَدي، وصنهم، وَلَا تؤذهم.
فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
وحَدثني أبي ﵀ بِهَذَا الحَدِيث، على أتم من هَذَا، بِإِسْنَاد ذكره عَن ابْن حمدون النديم، قَالَ: حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن حمدون، أَو قَالَ: حَدثنِي من قَالَ حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد، أَنا أشكك؛ لِأَنِّي لم أكتبه، وَإِنَّمَا حفظته فِي المذاكرة، وَلَعَلَّ الْأَلْفَاظ تزيد أَو تنقص، قَالَ: قَالَ لي المعتضد بِاللَّه، وَهُوَ خَليفَة: لما قدم أبي، وَهُوَ عليل، الْعلَّة الَّتِي مَاتَ فِيهَا، وَأَنا فِي حَبسه، ازْدَادَ خوفي على نَفسِي، وَلم أَشك فِي أَن إِسْمَاعِيل بن بلبل، سيحمله على قَتْلِي، أَو يحتال بحيلة يسفك بهَا دمي، إِذا وجد أبي قد ثقل، وأيس مِنْهُ.
فَنمت لَيْلَة من تِلْكَ اللَّيَالِي، وَأَنا من الْخَوْف على أَمر عَظِيم، وَقد صليت صَلَاة كَثِيرَة ودعوت الله ﷿، فَرَأَيْت فِي مَنَامِي كأنني قد خرجت إِلَى شاطئ دجلة، فَرَأَيْت رجلا جَالِسا على الشاطئ، يدْخل يَده فِي المَاء، فَيقبض عَلَيْهِ، فتقف دجلة، وَلَا يخرج من تَحت يَده قَطْرَة من المَاء، حَتَّى يجِف مَا تَحت يَده، ويتزايد المَاء فَوق يَده وَيقف كالطود الْعَظِيم، ثمَّ يخرج يَده من المَاء فَيجْرِي، يفعل ذَلِك مرَارًا، فهالني مَا رَأَيْت.
فدنوت مِنْهُ، وسلمت عَلَيْهِ، وَقلت لَهُ: من أَنْت يَا عبد الله الصَّالح؟ فَقَالَ: أَنا عَليّ بن أبي طَالب.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ادْع الله لي.
فَقَالَ: إِن هَذَا الْأَمر صائر إِلَيْك، فاعتضد بِاللَّه، واحفظني فِي وَلَدي، فانتبهت، وَكَأَنِّي أسمع كَلَامه لسرعة الْمَنَام.
فوثقت بأنني أتقلد الْخلَافَة، وقويت نَفسِي، وَزَالَ خوفي، فَقلت لغلام لم يكن معي فِي الْحَبْس غَيره: إِذا أَصْبَحْنَا فَامْضِ فابتع لي خَاتمًا، وانقش على فصه أَحْمد المعتضد بِاللَّه، وجئني بِهِ.
فَمضى، وَفعل، وأتاني بِهِ، فلبسته، وَقلت: إِذا وليت الْخلَافَة جعلت لقبي المعتضد بِاللَّه.
ثمَّ أخذت أقطع ضيق صَدْرِي فِي الْحَبْس، بتصفح أَحْوَال الدُّنْيَا، والفكر فِي تَدْبِير عمَارَة الخراب مِنْهَا، وَوجه فتح المنغلق، وَتَعْيِين الْعمَّال للنواحي، والأمراء فِي الْبِلَاد.
ثمَّ أخذت رقْعَة، فَكتبت، بدر: الْحَاجِب، عبيد الله بن سُلَيْمَان: الْوَزير، فلَان: أَمِير الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فلَان: عَامل الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فلَان: للديوان الْفُلَانِيّ، إِلَى أَن أتيت على مَا فِي نَفسِي من ذَلِك، ثمَّ دفعتها للغلام، وَقلت لَهُ: احتفظ بِهَذِهِ، فَإِن دمي ودمك مرتهنان بِمَا فِيهَا، فحفظها.
فَمَا مضى إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى لحقت الْمُوفق غشية، لم يشك الغلمان مَعهَا أَنه قد مَاتَ، فأخرجوني، فَأتوا بِي إِلَى بَيت فِيهِ الْمُوفق، فَلَمَّا رَأَيْته علمت أَنه غير ميت، فَجَلَست عِنْده، وَأخذت يَده أقبلها وأترشفها، فأفاق، فَلَمَّا رَآنِي أفعل ذَلِك، أظهر التقبل لي، وَأَوْمَأَ إِلَى الغلمان، أَن قد أَحْسَنْتُم فِيمَا فَعلْتُمْ.
ثمَّ مَاتَ الْمُوفق فِي ليلته تِلْكَ، وَوليت مَكَانَهُ، فابتدأت بتقرير الْأُمُور، على مَا كنت قَرّرته فِي الرقعة، ثمَّ وليت الْخلَافَة، فأمضيت بقايا تِلْكَ التدبيرات كلهَا.
قَالَ لي أبي: قَالَ لي ابْن حمدون: مَا عرض المعتضد فِي أَيَّامه للعلويين، وَلَا آذاهم، وَلَا قتل مِنْهُم أحدا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع