من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
لم يقْصد النِّهَايَة دَار الْحسن بن مخلد لِأَنَّهُ كَانَ متعطلا
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْفرج مُحَمَّد بن جَعْفَر بن حَفْص الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبيد الله بن سُلَيْمَان، قَالَ: كَانَ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مخلد، أول من رفعني، واستخلفني على ديوَان الضّيَاع، فَكنت أخلفه عَلَيْهِ، إِلَى أَن ولي شُجَاع بن الْقَاسِم الوزارة، مَعَ كتبة أوتامش، فِي أَيَّام المستعين، فَاشْتَدَّ جزع أبي مُحَمَّد مِنْهُ.
فَسَأَلته عَن سَبَب ذَلِك، فَقَالَ: هَذَا رجل حمَار، لَا يغار على صناعته، وَهُوَ مَعَ هَذَا من أَشد النَّاس حِيلَة وشرا، وَهُوَ يعرف كبر نَفسِي، وَصغر نَفسه، وَقد بَدَأَ بِأبي جَعْفَر أَحْمد بن إِسْرَائِيل، فَصَرفهُ عَن ديوَان الْخراج، ونكبه، ونفاه إِلَى أنطاكية، وَلست آمن أَن يَجْعَلنِي فِي أَثَره.
قَالَ: فَمَا مضى إِلَّا أُسْبُوع، حَتَّى ظهر أَن أَبَا مُوسَى عِيسَى بن فرخان شاه القنائي الْكَاتِب قد سعى مَعَ شُجَاع فِي تقلد ديوَان الضّيَاع، ثمَّ تقلده صارفا لِلْحسنِ بن مخلد، وخلع عَلَيْهِ، فازداد جزع الْحسن، وأغلق بَابه، وَقطع الرّكُوب.
فَبَيْنَمَا أَنا عِنْده فِي بعض العشيات، إِذْ أَتَت رقْعَة من شُجَاع، يستدعيه، ويؤكد عَلَيْهِ فِي البدار، فارتاع، ونهض، وَتعلق قلبِي بِهِ، فَقَعَدت أنْتَظر، إِلَى أَن عَاد، وَهُوَ مغموم مكروب.
فَقلت: مَا خبرك؟ قَالَ: قد فرغ شُجَاع من التَّدْبِير عَليّ، وَذَلِكَ أَنه قد صَحَّ عِنْدِي بعد افتراقنا، أَن أوتامش قَالَ البارحة لبَعض خواصه: قد ثقلنا على شُجَاع، وحملناه مَالا يُطيق من كتبتي والوزارة، وَتَركنَا هَذَا الشَّيْخ الْحسن بن مخلد، متعطلا، وَلَا بُد أَن يفرج لَهُ شُجَاع عَن كتبتي، أَو الوزارة، لأقلده أَحدهَا، فَلَمَّا بلغ ذَلِك شجاعا، أنفذ إِلَيّ فِي الْوَقْت.
فَلَمَّا لَقيته السَّاعَة، قَالَ لي: يَا أَبَا مُحَمَّد، أَنْت شَيْخي، ورئيسي، وَأَنت اصطنعتني، وَأَنا معترف بِالْحَقِّ لَك، وَآخر مَا لَك عِنْدِي من الإنعام
أَن قلدتني عمالة همذان، فانتقلت مِنْهَا إِلَى هَذِه الْمرتبَة، والأمير يحذرك الحذر كُله، وَقد أَقَامَ على أَنه لَا بُد من نكبتك وإفقارك، فللحال الَّتِي بَيْننَا، مَا أَقمت على الِامْتِنَاع عَلَيْهِ من هَذَا، وَسَأَلته فِي أَمرك، وَبعد أَن جرت خطوب، تقرر أَن لَا تجاوره، وتشخص إِلَى بَغْدَاد، ورضيته بذلك، وصرفت عَنْك النكبة، وَقد أَمرنِي بإخراجك من ساعتك، وَمَا زلت مَعَه حَتَّى استنظرته لَك ثَلَاثَة أَيَّام، أَولهَا يَوْمنَا هَذَا، فاعمل على هَذَا، وَأَنَّك تمْضِي إِلَى بلد الْأَمر وَالنَّهْي فِيهِ إِلَى أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر، وَهُوَ صديقك، ويخدمك النَّاس كلهم، وَلَا تخْدم أحدا، وتقرب من ضيعتك.
فأظهرت لَهُ الشُّكْر، وضمنت لَهُ الْخُرُوج، وَأَنا خَائِف مِنْهُ أَن يدعني حَتَّى أخرج آلتي وحرمي، ثمَّ يقبض على ذَلِك كُله، وينكبني.
فَقلت: الْوَجْه أَن تفرق جَمِيع مَالك وحرمك والأمتعة وَالدَّوَاب، وتودعه ثقاتك، وإخوانك، من وُجُوه قواد الأتراك وكتابهم، وتطرح الثّقل الَّذِي لَا قيمَة
لَهُ من خيش وستائر وأسرة وَآلَة المطبخ فِي الزواريق، وتجلس فِي الحراقة الْعَجَائِز اللواتي لَا تفكر فِيهِنَّ، ليظن أَنَّهُنَّ الْحرم، وتجتهد أَن يكون خُرُوجك ظَاهرا، وَلَا تكاشف بالاستتار، بل على سَبِيل توق ومراوغة، فَإِذا حصلت بِبَغْدَاد، دبرت أَمرك حِينَئِذٍ بِمَا ترى.
فَقَالَ: هَذَا رَأْي صَحِيح، وَأخذ يصلح أمره على هَذَا.
فَلَمَّا كَانَ فِي لَيْلَة الْيَوْم الثَّالِث، لم أنم أَكثر اللَّيْل، فكرا فِيهِ، وغما بأَمْره، ثمَّ نمت لما غلبتني عَيْني، فَرَأَيْت فِي السحر كَأَن قَائِلا يَقُول لي: لَا تغتم، فقد ركب الأتراك من أَصْحَاب وصيف وبغا، إِلَى أوتامش وكاتبه شُجَاع، وَقد هجموا عَلَيْهِمَا، وقتلوهما، وَاسْتَرَحْتُمْ مِنْهُمَا.
فانتبهت مروعا، وَوجدت الْوَقْت حِين انفجار الصُّبْح، فَصليت، وَركبت إِلَى الْحسن بن مخلد، فَدخلت إِلَيْهِ من بَاب لَهُ غامض؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد أغلق أبوابه الْمَعْرُوفَة، فَسَأَلته عَن خَبره.
فَقَالَ: هَذَا آخر الْأَجَل، وَقد خفت أَن يعاجلني شُجَاع بِالْقَبْضِ عَليّ، وَقد أغلقت أبوابي، واستظهرت بغلمان يراعون رسله، فَإِن جَاءُوا وَرَأَوا أَمَارَات الشَّرّ مِنْهُم، خرجت من هَذَا الْبَاب الغامض، وَأَن يسْأَلُوا عَن شُجَاع،
فَإِن كَانَ فِي دَاره قَالُوا لمن جَاءَ يطلبني: إِنَّه فِي دَار الْأَمِير، وَإِن كَانَ فِي دَار الْأَمِير، قَالُوا للرسل: إِنَّه فِي دَار شُجَاع، مدافعة عني حَتَّى أهرب، قَالَ: فقصصت عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، فتضاحك، وَقَالَ: مَا ظننتك بِهَذِهِ الْغَفْلَة، نَحن فِي الْيَقَظَة على مَا ترى، كَيفَ يَصح لنا خبرك فِي مَنَامك؟ هَذَا إِنَّمَا نمت وَأَنت تتمنى خلاصي، فَرَأَيْت ذَلِك فِي مَنَامك.
فَخرجت من عِنْده أُرِيد دَاري، فلقيني جمَاعَة فِي الطَّرِيق، فعرفوني أَن الأتراك قد ركبُوا بِالسِّلَاحِ، فعدت إِلَى منزلي، وأغلقت بَابي، ووصيت عيالي بِحِفْظ الدَّار، ثمَّ عدت، فَدخلت إِلَى الْحسن، فَأَخْبَرته بالْخبر، فَأمر بمراعاة الْأَمر.
فَمَا زلنا نتعرف الْأَخْبَار، سَاعَة بساعة، إِلَى أَن جَاءَ النَّاس فعرفونا أَن الأتراك قتلوا شجاعا، ثمَّ دخل رجل، فَقَالَ: أَنا رَأَيْت السَّاعَة رَأس أوتامش، وَصَحَّ الْخَبَر بِقَتْلِهِمَا جَمِيعًا.
ونهبت سامراء كلهَا، فَمَا أفلت أحد من النهب أحسن من إفلات الْحسن بن مخلد؛ لِأَن مَاله كُله كَانَ قد حصل عِنْد القواد وكتابهم، فَلم يضع مِنْهُ شَيْء، وَكَانَ متعطلا، فَلم يقْصد النهابة دَاره، وَمَا أمسينا إِلَّا فِي أتم سرُور وَفَرح؛ لِأَنَّهُ فرج عَنَّا بِمَا لم يكن فِي حسابنا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع