من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حَبسه الْمهْدي وَأطْلقهُ الرشيد
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، قَالَ: حَدثنِي بشر بن مُوسَى الْأَسدي، قَالَ: أَخْبرنِي بعض الهاشميين، قَالَ: حبس الْمهْدي يَعْقُوب بن دَاوُد وزيره، فطال حَبسه، فَرَأى فِي مَنَامه، كَأَن قَائِلا يَقُول لَهُ: قل: يَا رَفِيق، يَا شفيق، أَنْت رَبِّي الْحقيق، ادْفَعْ عني الضّيق، إِنَّك على كل شَيْء قدير.
قَالَ: فقلتها، فَمَا شَعرت إِلَّا بالأبواب تفتح، ثمَّ أدخلت على الرشيد، فَقَالَ: أَتَانِي الَّذِي أَتَاك، فاحمد الله ﷿.
وخلى سبيلي.
وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر، على خلاف هَذَا، فحدثنا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي خَالِد بن يزِيد الْأَزْدِيّ.
وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو بكر
مُحَمَّد بن مُحَمَّد السَّرخسِيّ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عبد الله الْمقدمِي القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد المعي، قَالَ: حَدثنَا خَالِد بن يزِيد، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يَعْقُوب بن دَاوُد، قَالَ: قَالَ لي أبي: حَبَسَنِي الْمهْدي فِي بِئْر بنيت عَلَيْهَا قبَّة، فَكنت فِيهَا خمس عشرَة سنة، حَتَّى مضى صدر من خلَافَة الرشيد، وَكَانَ يدلى لي فِي كل يَوْم رغيف وكوز مَاء، وأؤذن بأوقات الصَّلَاة، فَلَمَّا كَانَ رَأس ثَلَاث عشرَة سنة، أَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ:
حنا على يُوسُف رب فَأخْرجهُمن قَعْر جب وبئر حولهَا غمم
فحمدت الله تَعَالَى، وَقلت: أَتَانِي الْفرج، ثمَّ مكثت حولا لَا أرى شَيْئا، فَلَمَّا كَانَ رَأس الْحول، أَتَانِي ذَلِك الْآتِي، فَقَالَ:
عَسى فرج يَأْتِي بِهِ الله إِنَّهلَهُ كل يَوْم فِي خليقته أَمر
ثمَّ أَقمت حولا لَا أرى شَيْئا، ثمَّ أَتَانِي ذَلِك الْآتِي، بعد الْحول، فَقَالَ:
عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِيكون وَرَاءه فرج قريب
فَيَأْمَن خَائِف ويفك عانوَيَأْتِي أَهله النائي الْغَرِيب
فَلَمَّا أَصبَحت، نوديت، فَظَنَنْت أَنِّي أؤذن بِالصَّلَاةِ، فدلي إِلَيّ حَبل، وَقيل لي: شدّ بِهِ وسطك، فَفعلت، فأخرجوني، فَلَمَّا تَأَمَّلت الضَّوْء، غشي بَصرِي، فَأخذ من شعري، وألبست ثيابًا، وأدخلت إِلَى مجْلِس، فَقيل لي: سلم على أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
فَقَالَ: لست بِهِ.
فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْهَادِي، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
فَقَالَ: لست بِهِ.
فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
فَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام، يَا يَعْقُوب بن دَاوُد، وَالله مَا شفع أحد فِيك إِلَيّ، غير أَنِّي حملت اللَّيْلَة صبية لي على عنقِي، فَذكرت حملك إيَّايَ على عُنُقك، فرثيت لَك من الْمحل الَّذِي كنت فِيهِ، فأخرجتك، ثمَّ أكرمني، وَقرب مجلسي.
ثمَّ إِن يحيى بن خَالِد تنكر لي، كَأَنَّهُ خَافَ أَن أغلب على الرشيد دونه، فخفته، فاستأذنت فِي الْحَج، فَأذن لي.
فَلم يزل مُقيما بِمَكَّة، حَتَّى مَاتَ بهَا.
حَدثنِي أبي فِي المذاكرة بِإِسْنَاد لَهُ، وَكَانَ فِي الْخَبَر: أَن الْمهْدي حَبسه قي بِئْر، ووكل أمره إِلَى خَادِم لَهُ، واستحلفه أَن لَا يخبر بِخَبَرِهِ أحدا من الْخلق كلهم، فَكَانَ الْخَادِم الْمُوكل بِهِ، ينزل إِلَيْهِ فِي كل يَوْم رغيفين، ودورق مَاء، مِنْهُ شربه وَطهُوره، وَفِي الْبِئْر مَوضِع يتَطَهَّر فِيهِ، فَكَانَ كَذَلِك خمس عشرَة سنة.
فَلَمَّا كَانَ بعد خمس عشرَة سنة م سَأَلَ عَنهُ الرشيد، فَقيل لَهُ: سلم إِلَى فلَان الْخَادِم، وَذكر أَنه مَاتَ.
فأحضر الْخَادِم، وَسَأَلَهُ عَنهُ، فَقَالَ: إِنَّه مَاتَ.
فاستثبته، فَرَأى كلَاما مُخْتَلفا، فجد بِهِ، فَقَالَ: لَا أعرف غير مَوته، فهدده، فَأَقَامَ على الْإِنْكَار، إِلَى أَن استحضر الرشيد المقارع.
فاقل: أَنا أصدق، استحلفني أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، أَلا أخبر بِخَبَرِهِ أحدا من الْخلق أبدا.
فأكرهه الرشيد، فَدلَّ على الْبِئْر الَّتِي هُوَ فِيهَا، ثمَّ تتفق الرِّوَايَات.
قَالَ: فَلَمَّا وقف بَين يَدي الرشيد، وَسلم، قَالَ لَهُ الرشيد، مخفيا كَلَامه، من أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: الْمهْدي.
قَالَ: قد مضى لحَال سَبيله، فَسلم على أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَسلم.
فَقَالَ: قُولُوا لَهُ من أَمِير الْمُؤمنِينَ؟
قَالَ: الْهَادِي.
قَالَ: قد مضى لحَال سَبيله، فَسلم على أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَسلم.
فَقَالَ: قُولُوا لَهُ، من أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: هَارُون، ثمَّ تتفق الرِّوَايَتَانِ.
وَرُوِيَ لي هَذَا الْخَبَر على وَجه آخر، وَهُوَ أَضْعَف عِنْدِي، غير أَنِّي أجيء بِهِ كَمَا بَلغنِي، فَحدثت بروايات مُخْتَلفَة، قَالُوا: حدث عبد الله بن أَيُّوب، قَالَ: رَأَيْت يَعْقُوب بن دَاوُد فِي الطوف، فَقلت لَهُ: كَيفَ كَانَ سَبَب خُرُوجك؟ قَالَ: كنت فِي المطبق حَتَّى خفت على بَصرِي، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ لي: يَا يَعْقُوب كَيفَ ترى مَكَانك؟ فَقلت: وَمَا سؤالك؟ أما ترى مَا أَنا فِيهِ، أَلَيْسَ يَكْفِيك هَذَا؟ فَقَالَ: أَسْبغ الْوضُوء، وصل أَربع رَكْعَات، وَقل: يَا محسن، يَا مُجمل، يَا منعم، يَا مفضل، يَا ذَا الْفضل وَالنعَم، يَا عَظِيم، يَا ذَا الْعَرْش الْعَظِيم، اجْعَل لي مِمَّا أَنا فِيهِ فرجا ومخرجا.
فانتبهت، وَقلت فِي نَفسِي: هَذَا فِي النّوم، وَرجعت إِلَى نَفسِي، فَحفِظت الدُّعَاء، وَقمت، فَتَوَضَّأت، وَصليت، ودعوت بِهِ، فَلَمَّا أَسْفر الصُّبْح، جَاءُونِي، فأخرجوني.
فَقلت: مَا دَعَاني إِلَّا ليقتلني.
فَلَمَّا رَآنِي، أَوْمَأ إِلَيْهِم، اذْهَبُوا بِهِ إِلَى الْحمام، فنظفوه، وأتوني بِهِ، فطابت نَفسِي، وسجدت شكرا لله تَعَالَى، فأطلت السُّجُود.
فَقَالُوا لي: قُم.
فَقَالَ لَهُم الرشيد: دَعوه مَا دَامَ سَاجِدا، ثمَّ رفعت رَأْسِي، ثمَّ مُضِيّ بِي إِلَى الْحمام.
فَلَمَّا خرجت خلع عَليّ، ثمَّ ضرب بِيَدِهِ على ظَهْري، وَقَالَ لي: يَا يَعْقُوب، لَا يمنن عَلَيْك أحد بمنة، فَمَا زلت مُنْذُ اللَّيْلَة قلقا بِأَمْرك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع