من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
اعتقلهم الْوَزير ابْن الزيات وأطلقوا لمَوْت الواثق
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كتاب (الوزراء)، حَدثنِي الْحُسَيْن بن عَليّ الباقطائي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: قَالَ لي أَحْمد بن الْمُدبر: لما أَمر مُحَمَّد بن عبد الْملك بحبسي، أدخلت محبسا فِيهِ أَحْمد بن إِسْرَائِيل، وَسليمَان بن وهب، وهما يطالبان، فَجعلت فِي بَيت ثَالِث، فَكُنَّا نتحدث وَنَأْكُل جَمِيعًا، وَرُبمَا أَدخل إِلَيْنَا النَّبِيذ، فنشرب.
وَكَانَ أَحْمد بن إِسْرَائِيل شَدِيد الْجُبْن، وَكَانَ يُنكر علينا، ويمنعنا أَن نتحدث بِشَيْء، أَو نرجو لأنفسنا.
فَجَاءَنِي يَوْمًا سُلَيْمَان بن وهب، فَقَالَ لي: رَأَيْت البارحة فِي نومي، كَأَن قَائِلا يَقُول لي: يَمُوت الواثق إِلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَقُمْ بِنَا إِلَى أبي جَعْفَر نحدثه.
فَقلت: وَالله، إِن سمع بِهَذَا أَبُو جَعْفَر، ليشقن ثَوْبه، وليسدن أُذُنه خوفًا.
فَقَالَ لي: قُم على كل حَال، فقمنا فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَأخْبرهُ سُلَيْمَان بِمَا رأى.
فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، أَنْت أجسر النَّاس، وأشدهم جِنَايَة على نَفسك وعلينا، إِنَّمَا تُرِيدُ أَن يسمع هَذَا فنقتل.
فَقَالَ لَهُ: فتكتب هَذِه الرُّؤْيَا عنْدك، لتمتحن صدقهَا.
فنفر، وَقَالَ: أَنا لَا أكتب مثل هَذَا، فكتبته أَنا فِي رقْعَة صَغِيرَة.
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثَّلَاثِينَ، دخل عَليّ أَحْمد بن إِسْرَائِيل، فَقَالَ لي: يَا أَبَا الْحسن، هَذَا يَوْم الثَّلَاثِينَ، فأخرجت الرقعة، فَإِذا هُوَ قد حفظ الْيَوْم، وَمضى يَوْمنَا إِلَى آخِره.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل، لم نشعر إِلَّا وَالْبَاب يدق دقا شَدِيدا، وَصَاح بِنَا صائح: الْبُشْرَى، قد مَاتَ الواثق، اخْرُجُوا.
فَقَالَ أَحْمد بن إِسْرَائِيل: قومُوا بِنَا، فقد حقق الله الرُّؤْيَا، وأتانا بالفرج، وصدقت الرُّؤْيَا.
فَقَالَ سُلَيْمَان بن وهب: كَيفَ نمشي مَعَ بعد مَنَازلنَا؟ وَلَكِن نوجه من يجيئنا بِمَا نركب.
فاغتاظ أَحْمد بن إِسْرَائِيل، وَقَالَ: نعم، نقعد، حَتَّى يجلس خَليفَة آخر، فَيُقَال لَهُ: إِن فِي الْحَبْس جمَاعَة من الْكتاب عَلَيْهِم أَمْوَال، فيأمر بالتوثيق منا، إِلَى أَن ينظر فِي أمرنَا، قُم عافاك الله، حَتَّى نمر.
فَخرج، وَخَرجْنَا على أَثَره.
فَقبل أَن نخرج من بَاب الهاروني، سمعنَا رجلَيْنِ يَقُول أَحدهمَا للْآخر: سَأَلَ الْخَلِيفَة جَعْفَر المتَوَكل عَمَّن فِي الْحَبْس، فَقيل: فِيهِ جمَاعَة من الْكتاب،
فَقَالَ: يكونُونَ فِيهِ إِلَى أَن نَنْظُر فِي أُمُورهم.
فجددنا فِي الْمَشْي وقصدنا غير مَنَازلنَا، واستترنا.
وبحثنا عَن الْأَخْبَار، فَبَلغنَا إِقْرَار الْخَلِيفَة مُحَمَّد بن عبد الْملك، فَكتبت إِلَيْهِ رقْعَة عَن جماعتنا، نعرفه خبرنَا واتساع آمالنا فِيهِ، ونستأذنه فِيمَا نعمل.
فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ الرقعة وَقع على ظهرهَا: لم استخفيتم؟ وَلَيْسَ مِنْكُم إِلَّا من عنايتي تخصه، ورأيي فِيهِ جميل، أما أَبُو أَيُّوب فقد تكلم فِي حَقه أَبُو مَنْصُور إيتاخ، واستوهبه، فوهب لَهُ، وَأمرت بإحضاره ليخلع عَلَيْهِ، فليحضر، وَأما أَبُو جَعْفَر فَإِنَّهُ طُولِبَ بِمَا لَا يلْزمه، وَقد وضحت حجَّته فِي بُطْلَانه، فليصر إِلَيّ، وَأما أَبُو الْحسن فَإِنَّهُ قذف بباطل، فاظهروا جَمِيعًا، واثقين بِمَا عِنْدِي من حياطتكم ورعايتكم.
فصرنا إِلَيْهِ جَمِيعًا، وَزَالَ عَنَّا مَا كُنَّا فِيهِ، فَخلع على سُلَيْمَان خَاصَّة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع