تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أدْرك أَبَا مُحَمَّد الْأَزْرَق الْأَنْبَارِي

حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن البهلول الْأَنْبَارِي التنوخي، قَالَ: خرج أخي أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن يُوسُف، يقْصد أخانا أَبَا يَعْقُوب إِسْحَاق بن يُوسُف، وَهُوَ حِينَئِذٍ بِمصْر، وَمَعَهُ زَوْجَة كَانَت لأبي يَعْقُوب إِسْحَاق بِبَغْدَاد، وبنية لَهُ مِنْهَا، وَمضى.

فَلَمَّا عَاد حَدثنِي أَنه سلك فِي قافلة كَبِيرَة، من هيت على طَرِيق السماوة، يُرِيد: دمشق، قَالَ: فَلَمَّا حصلنا فِي أعماق السماوة، أخفرتنا خفراؤنا، وَجَاء قوم من الْأَعْرَاب، فظاهروهم علينا، وأظهروا أَنهم من غَيرهم، وَقَطعُوا علينا، فَاسْتَاقُوا ركائبنا، فَبَقيت أَنا وَالنَّاس مطرحين على المَاء الَّذين كُنَّا نزلنَا عَلَيْهِ بِلَا جمل، وَلَا زَاد، وَلَا دَلِيل، فأيسنا من الْحَيَاة.

فَقلت للنَّاس: إِن الْمَوْت لَا بُد مِنْهُ على كل حَال، أَقَمْنَا فِي أماكننا أم

سرنا، فَلِأَن نسير فِي طلب الْخَلَاص فَلَعَلَّ الله أَن يَرْحَمنَا ويخلصنا، أولى من أَن نموت هَهُنَا، وَإِن متْنا فِي سيرنا كَانَ أعذر.

فساعدوني، وسرنا يَوْمنَا وليلتنا، وَأَنا أحمل الصبية ابْنة أخي؛ لِأَن أمهَا عجزت عَن حملهَا، وَكلما طَال علينا الطَّرِيق، وَلم نر إنْسَانا وَلَا محجة، أحسسنا بِالْهَلَاكِ، وَمَات منا قوم، وَأَنا خلال ذَلِك، قد بدأت بِقِرَاءَة ختمة، وَأَنا متشاغل بهَا، وبالدعاء.

إِلَى أَن وقعنا فِي الْيَوْم الثَّانِي، على حلَّة أَعْرَاب، فأنكرونا، فَلم أعمل عملا، حَتَّى ولجت بَيت امْرَأَة مِنْهُم، فَأَمْسَكت ذيلها، وَكنت سَمِعت أَن الْإِنْسَان إِذا عمل ذَلِك أَمن شرهم، وَوَجَب حَقه عَلَيْهِم، ثمَّ تفرقنا فِي الْبيُوت.

وَاخْتلفت أَحْوَال النَّاس، فَأَما أَنا، فَإِن صَاحب الْبَيْت الَّذِي نزلت عَلَيْهِ، لما رأى هيبتي ودرسي لِلْقُرْآنِ، أكرمني، وَلم أزل أحادثه وأرفق بِهِ.

فَقَالَ لي: مَا تشَاء؟ فَقلت: تركبني وَهَذِه الْمَرْأَة، وَهَذِه الصبية رَاحِلَة، وتسير مَعنا إِلَى دمشق على رَاحِلَة أُخْرَى، بزاد وَمَاء، حَتَّى أُعْطِيك ثمن راحلتك وأهبها لَك، وأقضي حَقك بعد هَذَا.

قَالَ: فتذمم واستحيا، وقدرت أَنِّي إِذا دخلت دمشق، وجدت بهَا

من أصدقاء أخي، من آخذ مِنْهُ مَا أُرِيد.

فكساني الْأَعرَابِي، وكسا الْمَرْأَة والصبية، ووطأ لي رَاحِلَة، وَحمل مَعنا من المَاء والزاد كفايتنا، وَركب هُوَ رَاحِلَة أُخْرَى، وَكَانَ أَكثر من وصل مَعنا إِلَى ذَلِك الْموضع، قد تَأتي لَهُ مثل مَا تَأتي لي، فصرنا رفْقَة صَالِحَة الْعدَد.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، شارفنا دمشق مَعَ طُلُوع الشَّمْس، فَإِذا بِأَهْلِهَا قد خَرجُوا يستقبلوننا، وكل من لَهُ صديق أَو معرفَة، يسْأَل عَنهُ، وَقد بَلغهُمْ خبر الْقطع، فَمَا شَعرت إِلَّا بِإِنْسَان يسْأَل عني، بكنيتي ونسبي.

فَقلت: هأناذا.

فَعدل إِلَيّ، وَقَالَ: أَنْت أَبُو مُحَمَّد الْأَزْرَق الْأَنْبَارِي؟ فَقلت: نعم.

فَقَالَ: إِلَيّ، وَأخذ بِخِطَام رَاحِلَتي، وتبعني الْأَعرَابِي براحلته، حَتَّى دَخَلنَا مَعَ الرجل دمشق.

فجَاء بِنَا الرجل، إِلَى دَار حَسَنَة سَرِيَّة، تدل على نعْمَة حَسَنَة، فأنزلنا، وَلم أَشك أَنه صديق لأخي.

فَنزلت، وأنزلت الْأَعرَابِي معي، وَأخذت جمالنا، وأدخلنا الْحمام، وألبست خلعة نظيفة، وَفعل بِالْمَرْأَةِ والصبية مثل ذَلِك، وأقمت عِنْده يَوْمَيْنِ فِي خفض عَيْش، لَا أسأله عَن شَيْء، وَلَا يسألني.

فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث، قَالَ: مَا صُورَة هَذَا الْأَعرَابِي مَعَك؟ فَأَخْبَرته بِمَا أَخذنَا مِنْهُ.

فَقَالَ لي: خد مَا تُرِيدُ من المَال.

فَقلت: أُرِيد كَذَا وَكَذَا دِينَارا، فَأَعْطَانِي ذَلِك، فَدَفَعته إِلَى الْأَعرَابِي، وسلمت إِلَيْهِ جمليه.

وَسَأَلت الرجل أَن يزوده زادا كثيرا، لَا يكون مثله فِي الْبَادِيَة، فَأخْرج لَهُ شَيْئا كثيرا، وَخرج الْأَعرَابِي شاكرا.

فَقَالَ لي الرجل: إِلَى أَيْن تُرِيدُ من الْبِلَاد، وَكم يَكْفِيك من النَّفَقَة؟ فَلَمَّا قَالَ لي ذَلِك، ارتبت بِهِ، وَقلت: لَو كَانَ هَذَا من أصدقاء أخي الَّذين كاتبهم بتفقدي، لَكَانَ يعرف مقصدي.

فَقلت لَهُ: كم كاتبك أخي أَن تدفع إِلَيّ؟ قَالَ: وَمن أَخُوك؟ قلت: أَبُو يَعْقُوب الْأَزْرَق الْأَنْبَارِي، الْكَاتِب بِمصْر.

فَقَالَ: وَالله، مَا سَمِعت بِهَذَا الِاسْم قطّ، وَلَا أعرفهُ.

فورد عَليّ أعجب مورد، وَقلت لَهُ: يَا هَذَا، إِنِّي ظننتك صديقا لأخي، وَأَن مَا عاملتني بِهِ من الْجَمِيل من أَجله، فانبسطت إِلَيْك بِالطَّلَبِ، وَلَو لم أعتقد هَذَا لانقبضت، فَمَا السَّبَب فِيمَا عاملتني بِهِ؟ فَقَالَ: أَمر هُوَ أوكد من أَمر أَخِيك، يجب أَن يكون انبساطك إِلَيْهِ أتم.

فَقلت: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِن خبر الْوَقْعَة بالقافلة الَّتِي كنت فِيهَا، بلغنَا فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا،

فَمَا بَقِي كَبِير أحد بِدِمَشْق، إِلَّا وَردت عَلَيْهِ مُصِيبَة عَظِيمَة، إِمَّا بذهاب مَال، أَو بغم على صديق، غَيْرِي، فَإِنِّي لم يكن لي شَيْء من ذَلِك يتَعَلَّق قلبِي بِهِ، واتعد النَّاس لِلْخُرُوجِ، لتلقي المنقطعين، وَإِصْلَاح أَحْوَالهم، وَلم أعزم أَنا.

فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل، رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي النّوم، وَهُوَ يَقُول لي: أدْرك أَبَا مُحَمَّد الْأَزْرَق الْأَنْبَارِي، وأغثه، وَأصْلح شَأْنه بِمَا يبلغهُ مقْصده، فَلَمَّا أَصبَحت، خرجت مَعَ النَّاس، فَسَأَلت عَنْك، فَكَانَ مَا رَأَيْت، والآن اذكر مَا تريده.

فَبَكَيْت بكاء شَدِيدا، لم أقدر مَعَه على خطابه مُدَّة، ثمَّ نظرت إِلَى مَا يبلغنِي مصر، فطلبته مِنْهُ، فَأَخَذته، وأصلحت أَمْرِي، وَسَأَلت الرجل عَن اسْمه، فَقَالَ: أَنا فلَان بن فلَان الصَّابُونِي، ذكره أَبُو مُحَمَّد، وأنسيه أَبُو الْحسن.

قَالَ: فَلَمَّا بلغت إِلَى مصر، حدثت أخي بِالْحَدِيثِ، فَعجب مِنْهُ، وَبكى.

قَالَ أَبُو الْحسن: وَضرب الدَّهْر ضربه، وَورد أَبُو يَعْقُوب أخي إِلَى بَغْدَاد بعد سِنِين، فتذاكرنا هَذَا الحَدِيث.

فَقَالَ أخي: لما عرفني أخي أَبُو مُحَمَّد، مَا عَامله بِهِ ابْن الصَّابُونِي الدِّمَشْقِي هَذَا، جعلته صديقا لي، فَكنت أكاتبه.

فَلَمَّا وَردت إِلَى دمشق، وجدت حَاله قد اختلت، لمحن لحقته، فَوهبت لَهُ ضيعتي بِدِمَشْق، وَكَانَت جليلة الْغلَّة وَالْقيمَة، فسلمتها إِلَيْهِ، مُكَافَأَة لما عَامل بِهِ أَبَا مُحَمَّد أخي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب السَّادِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.