من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
طَاهِر بن يحيى الْعلوِي وجرايته من الْحَاج الْخُرَاسَانِي
وَالْخَبَر الآخر، مَا حَدثنِي بِهِ أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق، عَن أبي الْقَاسِم بن أماجور المنجم، قَالَ: كنت إِذا حججْت، دخلت على طَاهِر بن يحيى الْعلوِي، فَرَأَيْت عِنْده خراسانيا، كَانَ يحجّ فِي كل سنة، فَإِذا دخل الْمَدِينَة، جَاءَ إِلَى طَاهِر بن يحيى فَأعْطَاهُ مِائَتي دِينَار، فَكَانَت كالجراية لَهُ مِنْهُ.
فَلَمَّا كَانَ فِي بعض السنين، جَاءَ يُرِيد دَاره؛ ليعطيه المائتي دِينَار، فاعترضه رجل من أهل الْمَدِينَة، فشنع بطاهر عِنْده، وَقَالَ لَهُ: تضيع دنانيرك الَّتِي تدفعها إِلَى طَاهِر، وَهُوَ يَأْخُذهَا مِنْك وَمن غَيْرك، فيصرفها فِيمَا يكرههُ الله تَعَالَى، وَيفْعل ويصنع، وَتكلم فِيهِ بقبيح.
قَالَ الْخُرَاسَانِي: فَانْصَرَفت عَنهُ، وتصدقت بِالدَّنَانِيرِ، وَخرجت من الْمَدِينَة، وَلم ألق طَاهِرا.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الثَّانِي دخلت الْمَدِينَة، فتصدقت بِالْمَالِ، وطويت طَاهِرا.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الثَّالِث تأهبت لِلْحَجِّ، فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي مَنَامِي، يَقُول لي: وَيحك قبلت فِي ابْني طَاهِر قَول أعدائه، وَقطعت عَنهُ مَا كنت تبره بِهِ؟ لَا تفعل، فاقصده، وأعطه مَا فَاتَهُ، وَلَا تقطعه عَنهُ مَا اسْتَطَعْت.
قَالَ: فانتبهت فَزعًا، ونويت ذَلِك، وَأخذت صرة فِيهَا سِتّ مائَة دِينَار، وحملتها معي، فَلَمَّا صرت بِالْمَدِينَةِ بدأت بدار طَاهِر، فَدخلت عَلَيْهِ وَجَلَست، ومجلسه حفل.
فحين رَآنِي، قَالَ: يَا فلَان، لَو لم يبْعَث بك إِلَيْنَا مَا جئتنا.
فَقلت: كلمة وَافَقت أمرا، لَيْسَ إِلَّا أَن أتغافل، فَقلت: مَا معنى هَذَا الْكَلَام أصلحك الله؟ فَقَالَ: قبلت فِي قَول عَدو الله، وعدو رَسُوله، وَقطعت عادتك عني، حَتَّى لامك رَسُول الله ﷺ فِي مَنَامك وأمرك أَن تُعْطِينِي السِّت مائَة دِينَار، هَاتِهَا، وَمد يَده إِلَيّ.
فتداخلني من الدهش مَا ذهلت مَعَه، فَقلت: أصلحك الله، هَكَذَا وَالله كَانَت الْقَضِيَّة، فَمن أعلمك بذلك؟ فَقَالَ لي: بَلغنِي خبر دخولك الْمَدِينَة فِي السّنة الأولى، فَلَمَّا رَحل الْحَاج وَلم تأتني أثر ذَلِك فِي حَالي، وَسَأَلت عَن الْقِصَّة، فَعرفت أَن بعض أَعْدَائِنَا لقيك، فشنع بِي عنْدك، فآلمني ذَلِك.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْحول الثَّانِي، بَلغنِي دخولك وخروجك، وَأَنَّك قد عملت على قَوْله فيَّ فازددت غما لذَلِك.
فَلَمَّا كَانَ مُنْذُ شهور، ازدادت إضاقتي، وَامْتنع مني النّوم غما لما دفعت إِلَيْهِ، فَفَزِعت إِلَى الصَّلَاة، فَصليت مَا شَاءَ الله، وَأَقْبَلت أَدْعُو بالفرج، فحملتني عَيْني فِي الْمِحْرَاب، فَنمت، فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي مَنَامِي، وَهُوَ
يَقُول لي: لَا تهتم، فقد لقِيت فلَانا الْخُرَاسَانِي، وعاتبته على قبُوله فِيك قَول أعدائك، وأمرته أَن يحمل إِلَيْك مَا فاتك، وَلَا يقطع عَنْك بعْدهَا ذَلِك، ويبرك مَا اسْتَطَاعَ، وانتبهت، فحمدت الله وشكرته، فَلَمَّا رَأَيْتُك علمت أَن الْمَنَام جَاءَ بك.
قَالَ: فأخرجت الصرة الَّتِي فِيهَا سِتّ مائَة دِينَار، فدفعتها إِلَيْهِ، وَقبلت يَده، وَسَأَلته أَن يُحِلنِي من قبُول قَول ذَلِك الرجل فِيهِ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع