من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
قَاطع طَرِيق يرد على الْقَافِلَة مَا أَخذ مِنْهَا
حَدثنِي عَليّ بن شيراز بن سهل القَاضِي بعسكر مكرم ﵀، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي ابْن بنت ابْن الْمُدبر، بِبَغْدَاد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن دعبل بن عَليّ الشَّاعِر الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: لما قلت:
مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة
قصدت بهَا أَبَا الْحسن عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا، وَهُوَ بخراسان، ولي عهد الْمَأْمُون، فوصلت إِلَيْهِ، وأنشدته إِيَّاهَا، فاستحسنها، وَقَالَ: لَا تنشدها أحدا حَتَّى آمُرك.
واتصل خبري بالمأمون، فأحضرني، وسألني عَن خبري، ثمَّ قَالَ لي: يَا دعبل، أَنْشدني:
مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة.
فَقلت: لَا أعرفهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ: يَا غُلَام، أحضر أَبَا الْحسن عَليّ بن مُوسَى، فَلم يكن بأسرع من أَن حضر.
فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحسن، سَأَلت دعبلًا عَن: مدارس آيَات, فَذكر أَنه لَا يعرفهَا.
فَالْتَفت إِلَيّ أَبُو الْحسن، وَقَالَ: أنْشدهُ يَا دعبل.
فأنشدت القصيدة، وَلم يُنكر الْمَأْمُون ذَلِك، إِلَى أَن بلغت إِلَى بَيت فِيهَا، وَهُوَ:
وَآل رَسُول الله هلبٌ رقابهموَآل زِيَاد غلّظ القصرات
فَقَالَ: وَالله لأهلبنها.
ثمَّ تممتها إِلَى آخرهَا، فاستحسنها، وَأمر لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، وَأمر لي عَليّ بن مُوسَى بقريب مِنْهَا.
فَقلت: يَا سَيِّدي، أُرِيد أَن تهب لي ثوبا يَلِي بدنك، أتبرك بِهِ، وأجعله كفنًا.
فوهب لي قَمِيصًا قد ابتذله، ومنشفة، وَأَظنهُ قَالَ: وَسَرَاويل.
قَالَ: ووصلني ذُو الرئاستين، وحملني على برذون أصفر، وَكنت أسايره فِي يَوْم مطير، وَعَلِيهِ ممطر خَز، فَأمر لي بِهِ، ودعا بِغَيْرِهِ فلبسه، وَقَالَ: إِنِّي آثرتك بِهِ، لِأَنَّهُ خير الممطرين، قَالَ: فَأعْطيت بِهِ ثَمَانِينَ دِينَارا، فَلم تطب نَفسِي بِبيعِهِ.
وقضيت حَاجَتي، وكررت رَاجعا إِلَى الْعرَاق.
فَلَمَّا صرت بِبَعْض الطَّرِيق، خرج علينا أكراد يعْرفُونَ بالماريخان، فسلبوني، وسلبوا الْقَافِلَة، وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم مطير.
فاعتزلت فِي قَمِيص خلق قد بَقِي عَليّ، وَأَنا متأسف، من جَمِيع مَا كَانَ عَليّ، على الْقَمِيص والمنشفة اللَّذين وهبهما لي عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا، إِذْ مر بِي وَاحِد من
الأكراد، وَتَحْته البرذون الْأَصْفَر الَّذِي حَملَنِي عَلَيْهِ ذُو الرياستين، وَعَلِيهِ الممطر الْخَزّ، ثمَّ وقف بِالْقربِ مني، وابتدأ ينشد:
مدارس آيَات..........
، ويبكي.
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك، عجبت من لص كردِي يتشيع، ثمَّ طمعت فِي الْقَمِيص والمنشفة.
فَقلت: يَا سَيِّدي لمن هَذِه القصيدة؟ فَقَالَ: مَا أَنْت وَذَاكَ، وَيلك.
فَقلت لَهُ: فِيهِ سَبَب أخْبرك بِهِ.
فَقَالَ: هِيَ أشهر من أَن يجهل صَاحبهَا.
قلت: فَمن هُوَ؟ قَالَ: دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ، شَاعِر آل مُحَمَّد، جزاه الله خيرا.
فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، أَنا، وَالله، دعبل، وَهَذِه قصيدتي.
فَقَالَ: وَيلك، مَا تَقول؟ فَقلت: الْأَمر أشهر من ذَلِك، فسل أهل الْقَافِلَة، تخبر بِصِحَّة مَا أَخْبَرتك بِهِ.
فَقَالَ: لَا جرم، وَالله، لَا يذهب لأحد من أهل الْقَافِلَة خلالة فَمَا فَوْقهَا.
ثمَّ نَادَى فِي النَّاس: من أَخذ شَيْئا فليرده على صَاحبه، فَرد على النَّاس أمتعتهم، وَعلي جَمِيع مَا كَانَ معي، مَا فقد أحد عقَالًا.
ثمَّ رحلنا إِلَى مأمننا سَالِمين.
قَالَ رَاوِي هَذَا الْخَبَر عَن دعبل: فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث عَليّ بن بهزاد الْكرْدِي فَقَالَ لي: ذَاك، وَالله، أبي الَّذِي فعل هَذَا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع