تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

وضع السَّيْف على عُنُقه ثمَّ نجا سالما

وحَدثني عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: حَدثنِي أكار بنهر سابس، قَالَ: خرجت من نهر سابس، إِلَى مَوضِع فِي طرف الْبَريَّة، يُقَال لَهُ: كرخ راذويه، أُرِيد أَعمال سقِِي الْفُرَات.

فبلغني أَن رجلا يقطع الطَّرِيق وَحده، وحذرت مِنْهُ.

فَلَمَّا خرجت من الْقرْيَة، رَأَيْت رجلا تدل فراسته على شدته ونجدته، وَفِي يَده زقاية، فجسرني على الطَّرِيق.

قَالَ: فترافقنا، حَتَّى انتهينا إِلَى سِقَايَة فِي الْبَريَّة، فَخرج علينا اللص متحزمًا، متسلحًا، فصاح بِنَا.

فَطرح رفيقي كارة كَانَت على ظَهره، وَأخذ زقايته، وبادر إِلَى اللص.

فَلَمَّا دَاخله اللص ليضربه، ضرب بعصاه يَد اللص، فعطل اللص الضَّرْبَة، وَضرب الزقاية فقطعها، ثمَّ ضرب بِسَيْفِهِ رجل الرجل فأقعده، ثمَّ وشحه بِالسَّيْفِ

حَتَّى قَتله، وَحمل عَليّ ليقتلني.

فَقلت لَهُ: مَا حاربتك، وَلَا امْتنعت عَلَيْك من أخذك ثِيَابِي، فلأي شَيْء تقتلني؟ فَقَالَ: استكتف فاستكتفت، فكتفني بتكتي ثمَّ حمل الثِّيَاب وَانْصَرف.

فَبَقيت متحيرًا، مشفيًا على التّلف، بالعطش، وَالشَّمْس، والوحوش، فَمَا زلت أتمطى فِي التكة حَتَّى قطعتها، وَقمت أَمْشِي إِلَى أَن جنني اللَّيْل.

فَرَأَيْت فِي الصَّحرَاء، على بعد، ضوء نَار خفِيا، فقدرته فِي قَرْيَة، فقصدته، فَإِذا هُوَ يخرج من قبَّة فِي الصَّحرَاء، فقربت مِنْهَا، واطلعت، فَإِذا اللص جَالس فِي الْقبَّة، يشرب نبيذًا، وَمَعَهُ امْرَأَة.

فَلَمَّا بصر بِي صَاح، وَتَنَاول سَيْفه وَخرج إِلَيّ، فَمَا زلت أناشده الله، وأحلف لَهُ أنني مَا علمت أَنه هُوَ، وَلَا قصدته عمدا، وَإِنَّمَا رَأَيْت النَّار فقصدتها، فَلم يعبأ بِقَوْلِي.

وحلفته الْمَرْأَة أَن لَا يقتلني بحضرتها، فجذبني إِلَى نهر جَاف قريب من الْقبَّة، وطرحني تَحْتَهُ، وجرد سَيْفه ليقتلني.

فَسمع صَوت الْأسد قَرِيبا مِنْهُ، فارتعدت يَده، وَسكت، وَأخذ يسكتني، فأنست بالسبع وزدت فِي الصياح.

فَمَا شَعرت إِلَّا والسبع قد تنَاوله من على صَدْرِي وهرول فِي الصَّحرَاء.

فَقُمْت، وَأخذت السَّيْف، وَجئْت إِلَى الْقبَّة، فَلم تشك الْمَرْأَة أنني هُوَ، فَقَالَت: قتلته؟ فَقلت: الله ﷿ قَتله، لَا أَنا، وقصصت عَلَيْهَا الْقِصَّة، وسألتها عَن شَأْنهَا.

فَقَالَت: أَنا امْرَأَة من أهل الْقرْيَة الْفُلَانِيَّة، أسرني هَذَا الرجل، وخبأني فِي هَذَا الْموضع، وَهُوَ يتَرَدَّد إِلَيّ فِي كل لَيْلَة.

فأرهبتها، فدلتني على دفائن لَهُ فِي الصَّحرَاء، فأخذتها، وحملت الْمَرْأَة، وَبَلغت الْقرْيَة، وسلمتها إِلَى أَهلهَا.

وفزت بِمَال عَظِيم أغناني عَن مقصدي، وعدت إِلَى بلدي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْحَادِي عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.