تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

قطع عَلَيْهِ الطَّرِيق فتخلص بِخَاتم عقيق

حَدثنِي الْحسن بن صافي، مولى ابْن المتَوَكل القَاضِي، وَكَانَ أَبوهُ يعرف بِغُلَام ابْن مقلة قَالَ: لما حصل المتقي لله بالرقة، وَمَعَهُ أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ، ابْن مقلة، وزيره، كاتبني بِأَن أخرج إِلَيْهِ، فَخرجت، وَمَعِي جمَاعَة من أَسبَابه، وَأَسْبَاب الْخَلِيفَة إِلَى هيت.

وَضم إِلَيْنَا ابْن فتيَان خفراء، يؤدونا إِلَى الرقة، ورحلت من هيت، ومعنا الخفراء والغلمان، وَمن انحدر مَعنا من هيت، فصرنا نَحوا من مِائَتي مقَاتل.

فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع من مسيرنا، وَنحن فِي الْبر الأقفر، وَقد نزلنَا نستريح، إِذا بسواد عَظِيم من بعيد، لَا نعلم مَا هُوَ، فَلم نزل نرقبه إِلَى أَن بَان لنا، وَإِذا هُوَ نَحوا من مائَة مَطِيَّة، على كل مَطِيَّة رجلَانِ.

فجمعنا أَصْحَابنَا ورجالنا، وَقرب الْقَوْم منا وأناخوا جمَالهمْ وعقلوها، وَأخذُوا جحفهم، وسلوا سيوفهم، وتقدمهم رَئِيس لَهُم، فَقَالَ لنا: يَا معشر الْمُسَافِرين، لَا يسلن أحد مِنْكُم سَيْفا، وَلَا يَرْمِي بِسَهْم، فَمن فعل ذَلِك فَهُوَ مقتول.

ففشل كل من كَانَ مَعنا، وَقَاتل قوم منا قتالًا ضَعِيفا، وخالطنا الْأَعْرَاب، وَأخذُوا جمَاعَة منا، وأخذونا، وَجَمِيع مَا كَانَ مَعنا، فأقتسموه، وتركونا مطرحين فِي الشَّمْس.

فَإِذا بِي قد عريت، وَبَقِي عَليّ خلق لَا أتوارى مِنْهُ بِشَيْء، وَلَيْسَ معي مَاء أشربه، وَلَا ظهر أركبه، وَلَيْسَ بيني وَبَين الْمَوْت إِلَّا سَاعَات يسيرَة، فَقَامَتْ عَليّ الْقِيَامَة، وَاشْتَدَّ جزعي، وَلم يكن لي حِيلَة، فأيست من الْحَيَاة.

فَأَنا كَذَلِك، إِذْ وجدت شستجة، كَانَ لي فِيهَا خَاتم عقيق، كَبِير الفص، كثير المَاء، فَأَخَذته، وَوَقع لي فِي الْحَال وَجه الْحِيلَة، فَجَعَلته فِي قطن، وخبأته معي وقصدت رَئِيس الْقَوْم، وَهُوَ الَّذِي تولى أَخذ مَالِي، وَعرف موضعي وقدري.

فَقلت لَهُ: قد رَأَيْت عَظِيم مَا أَخَذته مني، وَأَنا خَادِم الْخَلِيفَة أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، وَقد خرجت لأمر كَبِير من خدمته، وَقد فزت بِمَا أَخَذته مني، فَمَا قَوْلك فِي أَمر آخر أعظم مِمَّا أَخَذته، أعاملك بِهِ، وأسديه إِلَيْك حَلَالا لَا يجْرِي مجْرى الغصوب، على أَن تؤمنني على نَفسِي، وَترد عَليّ من ثِيَابِي مَا يسترني، وَترد عَليّ من دوابي دَابَّة، وتسقيني مَاء، وتسيرني حَتَّى أحصل فِي مأمني؟ فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قلت: تُعْطِينِي أمانك، وعهودك، ومذامك، على الْوَفَاء، فَفعل.

فانفردت بِهِ، وَجعلت يَدي مُقَابلَة للشمس، وأريته الْخَاتم، وأقمت فصه فِي شُعَاع الشَّمْس، فكاد يخطف بَصَره، وَرَأى مَا لم ير مثله.

وَقَالَ: استره، وَقل لي خَبره.

فَقلت: هَذَا خَاتم الْخلَافَة، وفصه هَذَا ياقوت أَحْمَر، وَهُوَ الَّذِي يتداوله الْخُلَفَاء مُنْذُ الْعَهْد الطَّوِيل، وَيعرف بِالْجَبَلِ، وَلَا يقوم أَمر الْخُلَفَاء إِلَّا بِهِ، وَقد كَانَ مخبوءًا بِبَغْدَاد، فَأمرنِي الْخَلِيفَة أَن أحملهُ إِلَيْهِ فِي جملَة مَا حَملته، وَحَيْثُ حصل

هَذَا الْخَاتم من بِلَاد الله، تشبث الْخُلَفَاء إِلَى أَخذه بِكُل ثمن، وَإِن حصل عنْدك حَتَّى تمْتَنع من بَيْعه إِلَّا بِمِائَة ألف دِينَار، وَلم يقدروا عَلَيْك، لأعطوك إِيَّاهَا، والرأي أَن تَأْخُذهُ، وتنفذه إِلَى نَاحيَة الشَّام، وتخفي حُصُول الْخَاتم فِي يدك، فَإِنِّي إِذا حضرت بِحَضْرَة الْخَلِيفَة، وعرفته خَبره، جاءتك رسله بالرغائب، حَتَّى يرتجع مِنْك بِأَيّ ثمن احتكمت.

فَقَالَ: إِذا خُذ من ثِيَابك مَا تُرِيدُ.

فَأخذت من ثِيَابِي مَا احتجت إِلَيْهِ، وَأخذ الْخَاتم فخبأه فِي جيبه، وأركبني رَاحِلَة موطأة، وَأَعْطَانِي إداوتين كبيرتين مَاء، وَسَار معي، وَالنَّاس قد هَلَكُوا من الْعَطش.

وَلم يزل يسير معي، إِلَى أَن بلغنَا إِلَى حصن فِي الْبَريَّة، يعرف بالزيتونة، من بِنَاء هِشَام بن عبد الْملك، وَفِيه رجل من بني أُميَّة، يكنى بِأبي مَرْوَان، مَعَه فِي الْحصن نَحوا من مِائَتي رجل.

فَلَمَّا حصلت عِنْده، انْصَرف الْأَعرَابِي، وَعرفت أَبَا مَرْوَان خبري فِي الْقطع وَمن أَنا، فأعظم أَمْرِي، وأكرمني، وأنفذ معي من أَصْحَابه من بَلغنِي الرقة سالما

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْحَادِي عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.