من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ابْن حمدي اللص الْبَغْدَادِيّ وفتوته وظرفه
وحَدثني عبد الله بن عمر الْحَارِثِيّ، قَالَ: حَدثنِي بعض التُّجَّار البغداديين، قَالَ: خرجت بسلع لي، ومتاع من بَغْدَاد أُرِيد واسطًا، وَكَانَ البريدي بهَا، وَالدُّنْيَا مفتتنة جدا.
فَقطع عَليّ، وعَلى الكار الَّذِي كنت فِيهِ، لص كَانَ فِي الطَّرِيق، يُقَال لَهُ: ابْن حمدي، يقطع قَرِيبا من بَغْدَاد، فأفقرني، وَكَانَ مُعظم مَا أملكهُ معي، فسهل عَليّ الْمَوْت، وطرحت نَفسِي لَهُ.
وَكنت أسمع بِبَغْدَاد، أَن ابْن حمدي هَذَا، فِيهِ فتوة، وظرف، وَأَنه إِذا قطع، لم يعرض لأرباب البضائع الْيَسِيرَة، الَّتِي تكون دون الْألف دِرْهَم، وَإِذا أَخذ مِمَّن حَاله ضَعِيفَة شَيْئا، قاسمه عَلَيْهِ، وَترك شطر مَاله فِي يَدَيْهِ، وَأَنه لَا يفتش امْرَأَة،
وَلَا يسلبها، وحكايات كَثِيرَة مثل ذَلِك.
فأطمعني ذَلِك فِي أَن يرق لي، فَصَعدت إِلَى الْموضع الَّذِي هُوَ جَالس فِيهِ، وخاطبته فِي أَمْرِي، وبكيت، ورققته، ووعظته، وَحلفت لَهُ أَن جَمِيع مَا أملكهُ قد أَخذه، وَأَنِّي أحتاج إِلَى أَن أَتصدق من بعده.
فَقَالَ لي: يَا هَذَا، الله بَيْننَا وَبَين هَذَا السُّلْطَان الَّذِي أحوجنا إِلَى هَذَا، فَإِنَّهُ قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إِلَى هَذَا الْفِعْل، ولسنا فِيمَا نفعله نرتكب أمرا أعظم مِمَّا يرتكبه السُّلْطَان.
وَأَنت تعلم أَن ابْن شيرزاد بِبَغْدَاد يصادر النَّاس ويفقرهم، حَتَّى أَنه يَأْخُذ الْمُوسر المكثر، فَلَا يخرج من حَبسه، إِلَّا وَهُوَ لَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْء غير الصَّدَقَة، وَكَذَلِكَ يفعل البريدي بواسط وَالْبَصْرَة، والديلم بالأهواز.
وَقد علمت أَنهم يَأْخُذُونَ أصُول الضّيَاع، والدور، وَالْعَقار، ويتجاوزون ذَلِك إِلَى الْحرم وَالْأَوْلَاد، فَاحْسبْ أننا نَحن مثل هَؤُلَاءِ، وَأَن وَاحِدًا مِنْهُم صادرك.
فَقلت: أعزّك الله، ظلم الظلمَة، لَا يكون حجَّة، والقبيح لَا يكون سنة، وَإِذا وقفت أَنا وَأَنت، بَين يَدي الله ﷿، أترضى أَن يكون هَذَا جوابك لَهُ؟ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، وَلم أَشك فِي أَنه يقتلني، ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: كم أَخذ مِنْك؟ فصدقته.
فَقَالَ: أحضروه، فأحضر، فَكَانَ كَمَا ذكرت، فَأَعْطَانِي نصفه.
فَقلت لَهُ: الْآن، قد وَجب حَقي عَلَيْك، وَصَارَ لي بإحسانك إِلَيّ حُرْمَة.
فَقَالَ: أجل.
فَقلت: إِن الطَّرِيق فَاسد، وَمَا هُوَ إِلَّا أَن أتجاوزك حَتَّى يُؤْخَذ هَذَا مني أَيْضا، فأنفذ معي من يوصلني إِلَى المأمن.
قَالَ: فَفعل ذَلِك، وسلمت بِمَا أفلت معي، فَجعل الله فِيهِ الْبركَة، وأخلف.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع