تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

القَاضِي التنوخي وَالِد الْمُؤلف والكرخي قَاطع الطَّرِيق

وحَدثني أبي ﵁، قَالَ: لما كنت مُقيما بالكرخ، أتقلد الْقَضَاء بهَا، وبالمرج وأعمالها، كَانَ بوابي رجل من أهل الكرخ، لَهُ ابْن، هُوَ ابْن عشر سِنِين أَو نَحْوهَا، وَكَانَ يدْخل دَاري بِلَا إِذن، ويمرح مَعَ غلماني، وَأهب لَهُ فِي الْأَوْقَات دَرَاهِم وثيابًا، وأحمله، وأرقصه، كَمَا يفعل النَّاس بأولاد غلمانهم.

ثمَّ صرفت عَن الكرخ، ورحلت، وَلم أعرف للرجل وَلَا لوَلَده خَبرا.

وَمَضَت السنون، فأنفذني أَبُو عبد الله البريدي من وَاسِط، برسالة إِلَى أبي

بكر بن رائق، فَلَقِيته بحدود العاقول، وانحدرت أُرِيد واسطًا.

وَقد كَانَ قيل لي قبل إصعادي، أَن فِي الطَّرِيق لصًّا يعرف بالكرخي، مستفحل الْأَمر.

وَكنت خرجت من وَاسِط، بطالع اخترته، على مُوجب تَحْويل مولدِي لتِلْك السّنة، وَقد استظهرت عِنْد نَفسِي، وكفاني الله تَعَالَى، فِي إصعادي، أَمر اللص، فَلم أر لَهُ أثرا.

فَلَمَّا انحدرت إِلَى وَاسِط، وَكُنَّا فِي بعض الطَّرِيق، خرج علينا اللُّصُوص فِي سفن عدَّة، بقسي، ونشاب، وَسلَاح شَاك، وهم نَحْو مائَة نفس، كالعسكر الْعَظِيم.

وَكَانَ معي غلْمَان يرْمونَ، فَحَلَفت أَن من رمى مِنْهُم بِسَهْم، ضَربته إِذا صرت فِي الْبَلَد مائَة مقرعة، وَذَلِكَ أَنِّي خفت أَن يقصدنا اللُّصُوص، ثمَّ لَا يرضون إِلَّا بقتلي.

قَالَ: وبادرت فَأخذت ذَلِك السِّلَاح الَّذِي كَانَ مَعَهم، فرميت جَمِيعه فِي المَاء، واستسلمت لِلْأَمْرِ طلبا للسلامة.

وَجَلَست أفكر فِي الطالع الَّذِي خرجت بِهِ، فَإِذا لَيْسَ مَا يُوجب، عِنْدهم، الْقطع عَليّ، وَالنَّاس قد أديروا إِلَى الشاطئ، وَأَنا فِي جُمْلَتهمْ، حَيْثُ تفرغ سفنهم، وينقل مَا فِيهَا إِلَى الشط، وهم يخبطون بِالسُّيُوفِ، وَكنت فِي وسط الكار، وَمَا انْتهى الْأَمر إِلَيّ.

فَجعلت أعجب من حُصُول الْقطع، وَأَن الطالع لَا يُوجِبهُ، وَلست أتهم علمي مَعَ هَذَا.

فَأَنا كَذَلِك، وَإِذا بسفينة فِيهَا رئيسهم قد طرح على زبزبي كَمَا يطْرَح على سفن التُّجَّار، ليشرف على مَا يُؤْخَذ مِنْهَا.

فحين رَآنِي، منع أَصْحَابه من انتهاب شَيْء من زبزبي، وَصعد إِلَيّ وَحده، فتأملني طَويلا، ثمَّ انكب وَقبل يَدي، وَكَانَ متلثمًا، فَلم أعرفهُ.

قَالَ: فارتعت، وَقلت: يَا هَذَا مَا لَك؟ فسفر، وَقَالَ: أما تعرفنِي يَا سَيِّدي؟ فتأملته، وَأَنا جزع، فَلم أعرفهُ.

فَقلت: لَا وَالله.

فَقَالَ: بلَى، أَنا عَبدك، ابْن فلَان الْكَرْخِي حاجبك، وَأَنا الصَّبِي الَّذِي ربيتني فِي دَارك، وَكنت تحملنِي على عُنُقك، وتطعمني بِيَدِك.

فتأملته، فَإِذا الْخلقَة خلقته، إِلَّا أَن اللِّحْيَة غيرته فِي عَيْني، فسكن خاطري، وَقلت: يَا هَذَا، كَيفَ بلغت إِلَى هَذَا الْحَال؟ قَالَ: يَا سَيِّدي، نشأت، فَلم أتعلم غير معالجة السِّلَاح، وَجئْت إِلَى بَغْدَاد أطلب الدِّيوَان، فَمَا قبلني أحد، فانضاف إِلَيّ هَؤُلَاءِ الرِّجَال، وَطلبت قطع الطَّرِيق وَلَو كَانَ السُّلْطَان أنصفني، ونزلني بِحَيْثُ أستحق من الشجَاعَة، وانتفع بخدمتي، مَا كنت أفعل هَذَا بنفسي.

قَالَ: فَأَقْبَلت عَلَيْهِ أعظه، وأخوفه الله، ثمَّ خشيت أَن يشق ذَلِك عَلَيْهِ، فَيفْسد رعايته لي، فأقصرت.

ثمَّ قَالَ: يَا سَيِّدي، لَا يكون بعض هَؤُلَاءِ قد أَخذ مِنْك شَيْئا؟ قلت: مَا ذهب منا إِلَّا سلَاح رميته أَنا إِلَى المَاء، وشرحت لَهُ الصُّورَة.

فَضَحِك، وَقَالَ: قد وَالله أصَاب القَاضِي، فَمن فِي الكار مِمَّن تعنى بِهِ حَتَّى أطلقهُ؟ قلت: كلهم عِنْدِي بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، فَلَو أفرجت عَن الْجَمِيع كَانَ أحسن بك.

فَقَالَ: وَالله، لَوْلَا أَن أَصْحَابِي قد تفَرقُوا بِمَا أخذُوا، لفَعَلت، وَلَكنهُمْ لَا يطيعوني فِي رده، وَلَكِنِّي لَا أدع مَا بَقِي من السفن فِي الكار أَن يُؤْخَذ مِنْهَا شَيْء، فجزيته خيرا.

فَصَعدَ إِلَى الشط، وأصعد جَمِيع أَصْحَابه، وَمنع أَن يُؤْخَذ شَيْء من بَاقِي السفن، فَمَا تعرض لَهَا أحد، ورد على قوم ضعفاء أَشْيَاء كَثِيرَة كَانَت أخذت مِنْهُم، وَأطلق الكار.

وَسَار معي فِي أَصْحَابه، إِلَى أَن صَار بيني وَبَين المأمن شَيْء يسير ثمَّ وَدعنِي، وَانْصَرف فِي أَصْحَابه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْحَادِي عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.