من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
صَادف دَرْء السَّيْل درءًا يصدعه
حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: حَدثنِي بعض إخْوَانِي: أَنه كَانَ بِبَغْدَاد رجل يطْلب التلصص فِي حداثته، ثمَّ تَابَ وَصَارَ بزازًا.
قَالَ: فَانْصَرف لَيْلَة من دكانه، وَقد أغلقه، فجَاء لص متزي بزِي صَاحب الدّكان، فِي كمه شمعة صَغِيرَة، ومفتاح، فصاح بالحارس، وَأَعْطَاهُ الشمعة فِي الظلمَة، وَقَالَ: أشعلها وجئني بهَا، فَإِن لي فِي هَذِه اللَّيْلَة فِي دكاني شغلًا.
فَحَضَرَ الحارس وأشعل الشمعة، وَركب اللص المفاتيح على الأقفال فَفَتحهَا، وَدخل الدّكان.
فجَاء الحارس بالشمعة مشعلة، فَأَخذهَا مِنْهُ وَهُوَ لَا يتَبَيَّن وَجهه، وَجعلهَا بَين يَدَيْهِ، وَفتح سفط الْحساب، وَأخرج مَا فِيهِ، وَجعل ينظر فِي الدفاتر، ويوري بِيَدِهِ أَنه يحْسب، والحارس يطالعه فِي تردده، وَلَا يشك فِي أَنه صَاحب الدّكان.
إِلَى أَن قَارب السحر، فاستدعى اللص الحارس، وَكَلمه من بعيد، وَقَالَ لَهُ: أطلب لي حمالًا.
فجَاء بحمال، فَحمل عَلَيْهِ من مَتَاع الدّكان أَربع رزم مثمنة، وأقفل الدّكان، وَانْصَرف وَمَعَهُ الْحمال، وَأعْطى الحارس دِرْهَمَيْنِ، فَلَمَّا أصبح النَّاس، جَاءَ صَاحب الدّكان ليفتحه، فَقَامَ إِلَيْهِ الحارس يَدْعُو لَهُ، وَيَقُول: فعل الله بك وصنع كَمَا أَعْطَيْتنِي البارحة الدرهمين.
فَأنْكر الرجل مَا سَمعه، وَلم يرد جَوَابا، وَفتح دكانه، فَوجدَ سيلان الشمعة،
وحسابه مطروحًا، وفقد الرزم الْأَرْبَع، فاستدعى الحارس، وَقَالَ لَهُ: من كَانَ الَّذِي حمل معي الرزم البارحة من دكاني؟ فَقَالَ لَهُ الحارس: أليست استدعيت مني حمالًا، فجئتك بِهِ، فحملها مَعَك؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِنِّي كنت ناعسًا متنبذًا، وَأُرِيد الْحمال، فجئني بِهِ، فَمضى الحارس فَجَاءَهُ بالحمال، فأغلق الرجل الدّكان، وَأخذ الْحمال مَعَه، وَمَشى، وَقَالَ: إِلَى أَيْن حملت الرزم البارحة، فَإِنِّي كنت متنبذًا.
قَالَ: إِلَى المشرعة الْفُلَانِيَّة، واستدعيت فلَانا الملاح، فركبت مَعَه.
فَصَعدَ الرجل المشرعة، فَسَأَلَ عَن الملاح فَدلَّ عَلَيْهِ وَركب مَعَه.
وَقَالَ: أَيْن أوصلت الْيَوْم أخي الَّذِي كَانَ مَعَه الْأَرْبَع رزم؟ قَالَ: إِلَى المشرعة الْفُلَانِيَّة.
قَالَ: أطرحني إِلَيْهَا، فطرحه.
قَالَ: وَمن حملهَا مَعَه؟ قَالَ: فلَان الْحمال.
فَدَعَا بِهِ، ولطفه، وَقَالَ: أَيْن حملت الرزم الْأَرْبَع البارحة؟ واستدله بِرِفْق وَأَعْطَاهُ شَيْئا، فجَاء بِهِ إِلَى بَاب غرفَة، فِي مَوضِع بعيد عَن الْبَلَد، قريب من الصَّحرَاء، فَوجدَ الْبَاب مقفلًا.
واستوقف الْحمال إِلَى أَن فش القفل وَفتح الْبَاب، وَدخل، فَوجدَ الْأَرْبَع رزم بِحَالِهَا، وَإِذا فِي الْبَيْت بركان مُعَلّق على حَبل، فلق الرزم فِيهِ، ودعا الْحمال فحملها.
فحين خرج من الغرفة، استقبله اللص، وَفهم الْأَمر، فَاتبعهُ إِلَى الشط، فجَاء إِلَى المشرعة، ودعا الملاح ليعبر.
فَدَعَا الْحمال من يحط عَنهُ، فجَاء اللص، فحط عَنهُ، كَأَنَّهُ مجتاز مُتَطَوّع، فَأدْخل الرزم إِلَى السَّفِينَة مَعَ صَاحبهَا، ثمَّ جعل البركان على كتفه، وَقَالَ للتاجر: يَا أخي أستودعك الله، فقد استرجعت رزمك، فدع كسائي.
فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ: انْزِلْ وَلَا خوف عَلَيْك.
فَنزل مَعَه، فاستتابه، ووهب لَهُ شَيْئا، وَصَرفه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع