من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
قصَّة الْأَخَوَيْنِ عَاد وَشَدَّاد
وَحكى عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْحسن العبقسي الشَّاعِر، قَالَ: حَدثنِي شَاعِر كَانَ يعرف بِغُلَام أبي الْغَوْث، قَالَ: كنت من أهل قَرْيَة من نواحي الشَّام، أسكنها أَنا وأسلافي، فَكُنَّا نطحن أقواتنا فِي رحى مَاء على فراسخ من الْبَلَد، يخرج إِلَيْهَا أهل الْبَلَد وَأهل الْقرى الْمُجَاورَة بغلاتهم، فتكثر، فَلَا يتَمَكَّن من الطَّحْن إِلَّا الْأَقْوَى فالأقوى.
فمضيت مرّة وَمَعِي غلَّة، وحملت معي خبْزًا وَلَحْمًا مطبوخًا يَكْفِينِي لأيام، وَكَانَ الزَّمَان شاتيًا، لأقيم على الرَّحَى، حَتَّى يخف النَّاس فأطحن فِيهَا، على عادتي تِلْكَ.
فَلَمَّا صرت عِنْد الرَّحَى، حططت أعدالي، وَجَلَست فِي مَوضِع نزه، وفرشت سفرتي لآكل.
واجتاز بِي رجل عَظِيم الْخلقَة، فدعوته ليَأْكُل، فَجَلَسَ فَأكل كلما كَانَ فِي سفرتي، حَتَّى لم يدع فِيهَا شَيْئا، وَلَا أُوقِيَّة وَاحِدَة.
فعجبت من ذَلِك عجبا شَدِيدا بَان لَهُ فِي، فَأمْسك، وغسلنا أَيْدِينَا.
فَقَالَ لي: على أَي شَيْء مقامك هُنَا؟ فَقلت: لأطحن هَذِه الْغلَّة.
فَقَالَ لي: فَلم لَا تطحنها الْيَوْم، فَأَخْبَرته بِسَبَب تعذر ذَلِك عَليّ.
قَالَ: فثار كَالْجمَلِ، حَتَّى شقّ النَّاس وهم مزدحمون على الرَّحَى، وَهِي
تَدور، فَجعل رجله عَلَيْهَا فوقفت وَلم تدر.
فَعجب النَّاس، وَقَالَ: من فِيكُم يتَقَدَّم؟ فجَاء رجل أيد شَدِيد، فَأخذ بِيَدِهِ، وَرمى بِهِ كالكرة، وَجعله تَحت رجله الْأُخْرَى، فَمَا قدر أَن يَتَحَرَّك.
وَقَالَ: قدمُوا غلتي إِلَى الطَّحْن وَإِلَّا كسرت الرَّحَى، وَكسرت عِظَام هَذَا.
فَقَالُوا: يَا هَذَا هَات الْغلَّة، فَجئْت بهَا، فَطحنت، وفرغت مِنْهَا، وجعلتها فِي الأعدال.
وَقَالَ لي: قُم.
قلت: إِلَى أَيْن؟ قَالَ: إِلَى مَنْزِلك.
قلت: لَا أسلك الطَّرِيق وحدي، فَإِنَّهُ مخوف، وَلَكِن أَصْبِر حَتَّى يفرغ أهل قريتي، وأرجع مَعَهم.
فَقَالَ: قُم وَأَنا مَعَك، ولسنا نَخَاف، بِإِذن الله ﷿، شَيْئا.
فَقلت فِي نَفسِي: من كَانَت تِلْكَ الْقُوَّة قوته يجب أَن آنس بِهِ، فَقُمْت، وحملت الْغلَّة على الْحمير، وسرنا إِلَى أَن جِئْنَا إِلَى قريتي، وَلم نلق فِي طريقنا بَأْسا.
فَلَمَّا دخلت إِلَى بَيْتِي، خرج وَالِدي وإخوتي، وعجبوا من سرعَة ورودي بالغلة، وَرَأَوا الرجل، فسألوني عَن الْقِصَّة، فَأَخْبَرتهمْ.
وَسَأَلنَا الرجل أَن يُقيم فِي ضيافتنا، فَفعل، فذبحنا لَهُ بقرة، وأصلحنا لَهُ سكباجًا، وَقدم إِلَيْهِ، فَأكل الْجَمِيع بِنَحْوِ الْمِائَة رَطْل خبْزًا.
فَقَالَ لَهُ أبي: يَا هَذَا، مَا رَأَيْت مثلك قطّ، فَأَي شَيْء أَنْت؟ وَمن أَيْن معاشك؟ قَالَ: أَنا رجل من النَّاحِيَة الْفُلَانِيَّة، وَأُسَمِّي شَدَّاد، وَكَانَ لي أَخ أَشد بدنًا وَقَلْبًا مني، وأسمه عَاد، وَكُنَّا نبذرق القوافل من قريتنا إِلَى مَوَاضِع كَثِيرَة، وَلَا نستعين
بِأحد، وَتخرج علينا الرِّجَال الْكَثِيرَة، فألقاهم أَنا وَأخي فَقَط فنهزمهم، فاشتهر أمرنَا، حَتَّى كَانَ إِذا قيل قافلة عَاد وَشَدَّاد، لم يعرض لَهَا أحد، فَمَكثْنَا كَذَلِك سِنِين كَثِيرَة.
فخرجنا مرّة أَنا وَأخي، نسير قافلة قد خفرناها، فَلَمَّا صرنا بالفلاة، رَأينَا سوادًا مُقبلا نحونا، فأستطرفنا أَن يقدم علينا أحد، ثمَّ بَان لنا شخص رجل أسود، على نَاقَة حَمْرَاء، ثمَّ خالطنا.
وَقَالَ: هَذِه قافلة عَاد وَشَدَّاد؟ قُلْنَا: نعم.
فترجل ودعانا للبراز، فانتضينا سُيُوفنَا وانقضضنا عَلَيْهِ، فَضرب سَاق أخي بِالسَّيْفِ ضَرْبَة أقعدته، وَعدا عَليّ، فَقبض على كَتِفي، فَمَا أطقت الْحَرَكَة.
فكتفني، ثمَّ كتف أخي، وطرحنا على النَّاقة كالزاملتين، ثمَّ ركبهَا وَسَار بعد أَن أَخذ من الْقَافِلَة مَا كَانَ فِيهَا من عين، وورق، وحلي، وشيئًا من الزَّاد، وأوقر الرَّاحِلَة بذلك.
وَسَار بِنَا على غير محجة، فِي طَرِيق لَا نعرفه، بَقِيَّة يَوْمنَا وليلتنا وَبَعض الثَّانِي، حَتَّى أَتَى جبلا لَا نعرفه، فأوغل فِيهِ، وَبلغ إِلَى وَجه مِنْهُ فدخله، فَانْتهى إِلَى مغارات، فَأَنَاخَ الرَّاحِلَة، ثمَّ رمى بِنَا عَنْهَا، وَتَركنَا فِي الكتاف.
وَجَاء إِلَى مغارة على بَابهَا صَخْرَة عَظِيمَة لَا يقلعها إِلَّا الْجَمَاعَة، فنحاها عَن الْبَاب واستخرج مِنْهَا جَارِيَة حسناء، فَسَأَلَهَا عَن خَبَرهَا، وجلسا يأكلان مِمَّا جَاءَ بِهِ من الزَّاد، ثمَّ شربا، فَقَالَ لَهَا: قومِي، فَقَامَتْ، وَدخلت الْغَار.
ثمَّ جَاءَ إِلَى أخي، فذبحه وَأَنا أرَاهُ، وسلخه، وَأكله وَحده، حَتَّى لم يدع مِنْهُ إِلَّا عِظَامه.
ثمَّ استدعى الْجَارِيَة، فَخرجت، وَجعلا يشربان، فَلَمَّا توَسط شربه، جرني، فَلم أَشك أَنه يُرِيد ذبحي، فَإِذا هُوَ قد طرحني فِي غَار من تِلْكَ المغارات، وَحل كتافي، وأطبق الْبَاب بصخرة عَظِيمَة، فأيست من الْحَيَاة، وَعلمت أَنه قد أدخرني لغد.
فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل، لم أحس إِلَّا بِامْرَأَة تكلمني، فَقلت لَهَا: مَا بالك؟ فَقَالَت: إِن هَذَا العَبْد قد سكر ونام، وَهُوَ يذبحك فِي غَد كَمَا ذبح صَاحبك، فَإِن كَانَت لَك قُوَّة فاجهد فِي دفع الصَّخْرَة واخرج فاقتله، وأنج بِي وبنفسك.
فَقلت: وَمن أَنْت؟ قَالَت: أَنا امْرَأَة من الْبَلَد الْفُلَانِيّ، ذَات نعْمَة، خرجت أُرِيد أَهلا لي فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فَخرج علينا هَذَا الْعَدو لله، فَأهْلك الْقَافِلَة الَّتِي كنت فِيهَا، ورآني فأخذني غصبا، وَأَنا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا شهرا، على هَذِه الصُّورَة، يرتكب مني الْحَرَام، وأشاهد ذبحه للنَّاس وَأكله لَهُم، وَلَا يُوصف لَهُ إِنْسَان بِشدَّة بدن إِلَّا قَصده، حَتَّى يَقْهَرهُ، ثمَّ يَجِيء بِهِ فيأكله، ويعتقد أَن شدته تنْتَقل إِلَيْهِ، وَإِذا خرج حَبَسَنِي فِي الْغَار، وَخلف عِنْدِي مَأْكُولا وَمَاء لأيام، وَلَو اتّفق أَنه يحتبس عني، فضل يَوْم، مت جوعا وعطشًا.
فَقلت: إِنَّنِي مَا أُطِيق قلع الصَّخْرَة.
قَالَت: وَيلك، فجرب نَفسك.
قَالَ: فَجئْت إِلَى الصَّخْرَة فاعتمدت عَلَيْهَا بقوتي، فتحركت، فَإِذا قد وَقع تَحت الصَّخْرَة حَصَاة صَغِيرَة، وَقد صَارَت الصَّخْرَة مركبة تركيبًا صَحِيحا، وَذَلِكَ لما أَرَادَهُ الله تَعَالَى من خلاصي.
فَقلت: أَبْشِرِي، وَلم أزل أجتهد، حَتَّى زحزحت الصَّخْرَة شَيْئا أمكنني الْخُرُوج مِنْهُ، فَخرجت.
فَأخذت سيف الْأسود، واعتمدت بكلتي يَدي فَضربت سَاقيه، فَإِذا قد أبنت أَحدهمَا وَكسرت الْأُخْرَى، فانتبه، ورام الْوُثُوب فَلم يقدر، فضربته الْأُخْرَى على حَبل عَاتِقه فَسقط، وضربته أُخْرَى فأبنت رَأسه.
وعمدت إِلَى المغارات فَأخذت كلما وجدت فِيهَا من عين، وورق، وجوهر، وثوب فاخر خَفِيف الْحمل، وَأخذت زادًا لأيام، وَركبت رَاحِلَته، وأردفت الْمَرْأَة، وَلم أزل أسلك فِي طرق لَا أعرفهَا، حَتَّى وَقعت على محجة، فسلكتها، فأفضت بِي إِلَى بعض الْقرى، فَسلمت الرَّاحِلَة إِلَى الْمَرْأَة، وأعطيتها نَفَقَة تكفيها إِلَى بَلَدهَا، وسيرتها مَعَ خفراء، وعدت إِلَى بلدي بِتِلْكَ الْفَوَائِد الجليلة.
وعاهدت الله تَعَالَى، أَن لَا أتعرض للطريق، وَلَا للخفارة أبدا.
وَأَنا الْآن آكل من ضيَاع اشْتَرَيْتهَا من ذَلِك المَال، وأقوم بعمارتها، وأعيش من غَلَّتهَا، إِلَى الْآن
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع