تجاوز إلى المحتوى

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

علّويه المغنّي

وهو علّويه الأعسر، وأبوه الذي كان يقال له ابن القدريّ. وكان راوية للغناء عالما به جيّد الصنعة، وهو أحد مطربي عصره، لم يكن في ذلك العصر أبلغ في الإطراب من مخارق وعلّويه، وكان يضرب بالعسراء من غير أن يغيّر الأوتار.

وكان صحيح الضّرب صافي الوتر. وكان إذا عالما تحدّث بعد أن يضع العود من يده لم يستوحش من حسن حديثه إلى غنائه وصوته. فإن حكى تصوّر في كلّ صورة، وأضحك الثّكلان والغضبان. وكان جيّد الفرشة ظريف الآنية.

وحدّثني عن نفسه حديثين عجيبين، قال لي ونحن في منزل بعض مياسير أهل الكرخ: لو أخبرك مخبر أن علّوية دخل الكرخ اليوم يبتاع طيلسانا مطبقا، إذ كان لا يملك طيلسانا، أكنت تصدّق؟ قلت: لا

والله. قال: فإنّ الأمر كما خبّرتك.

قال لي: وأحدّثك بحديث هو أغرب من هذا وأعجب: ربّ والله ما أصبحت في يوم دجن من أوّله إلى آخره، فيتّفق ألّا يبعث إليّ أحد، ولا يمكنني أن أبعث إلى بعض إخواني، لتوقّعي في كل حال رسول من لا أمتنع من إجابته، فلا يبقى من أولئك أحد إلّا والذي يمنعه من الإرسال إليّ أنّه لا يجوز أن يكون الخليفة وأشباه الخليفة يتّفق أمرهم وقولهم على مثلي، لا يتّفق أن يتركه الجميع إلّا توهّم كلّ واحد على حدته أنّ غيره قد سبق إلي. فاتّفق منهم التّدافع، وبقيت أتثاءب وحدي، وإنّما يتهيّأ ذلك أن يدعني في ذلك اليوم الملك الأعظم فيتّفقون كلّهم على هذا الرأي.

وكان وضحه في حلقومه حيث تغطّيه اللّحية.

وذكر يوحنّا بن ماسويه أنّ موته إنّما كان بسبب دواء كان دفعه إليه لهذه العلّة. فلما دعا به في السّحر غلط الخادم فسقاه دواء كثير الأفيون، فشربه فمات. وكان يكنى أبا الحسن.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.