من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
الحارث الأعرج الملك الغساني
وهو الحارث الأصغر بن الحارث الأوسط بن الحارث الأكبر. وما أقلّ ما يجيء مثل هذا.
وفي آل أبي طالب حسن بن حسن بن حسن. وكان في بني مخزوم: الوليد بن الوليد بن الوليد، فلما قال رسول الله ﷺ: «قد
جعلتم الوليد حنانا» تسمّوا بغير الوليد.
فإن قال قائل: فلم جاز حسن بن حسن بن حسن، ولم يجز الوليد ابن الوليد بن الوليد؟ قلنا: كأنّهم أرادوا تعظيم شأن الوليد الأوّل وإحياء ذكره والتيمّن باسمه. وكان الوليد بن المغيرة أحد المستهزئين، فكره النبيّ ﷺ مع قرب العهد بالجاهلية تعظيم شأن أولئك العظاء، والتنويه بأقدار أولئك الكبراء.
وكان الحسن الأوّل الذي سمّي الثاني [باسمه]، والثاني الذي سمّي الثالث باسمه، ابن رسول الله ﷺ وسليله، وأشبه النّاس خلقا وخلقا به، وسيّد شباب أهل الجنّة، وأرفع الناس في الإسلام درجة. فحكمهما يختلف. ولو فعل مثل ذلك اليوم بعض بني مخزوم، لم يكن حكمه اليوم كحكمه يومئذ؛ كأمور كثيرة قد كانوا ينهون عنها يومئذ، كالذي كان من عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين.
من ذلك ترك الحرص على طلب الولد، والشّغف بكثرة الرّزق، والرغبة في المكاثرة للتّهيب والتخويف، [و] للمناهضة، وبالقدرة
والاقتسار للعدوّ.
ومن ذلك حضور صلاة الجماعة. ولم يجعل رسول الله في ذلك الدهر لابن أمّ مكتوم، وهو أعمى عديم القائد، عذرا في التخلّف، إذ كان يسمع النّداء. ولو قصّر في ذلك العميان في بعض الحالات لم يكن حرجا، ولا عند تلك الجماعة مبهرجا، وإنّما جاز ذلك اليوم لاستفاضة الإسلام وعلوّه على أعدائه وظهور شأنه وتمكّن أركانه، فصاروا كما قال الله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)
. ألا ترى أنّه ليس على ظهرها بلد يناله الأخفاف والحوافر إلّا وهو مأخوذ عنوة أو صلحا على إعطاء الجزية، ولم يبق إلّا من اعتصم برءوس الجبال ولجج البحار، وبالوغول في الأوغال، أو ملك خضع للصّلح وإعطاء بعض الخرج، فوسم نفسه بالذلّة، وشهرها بإعطاء الجزية. وقد ذكر الحارث الأعرج النّابغة الذّبيانيّ فقال:
هذا غلام حسن وجههمستقبل الخير سريع التّمام
للحارث الأصغر والحارث الأوسط والأكبر خير الأنام
. ومن العرجان:
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع