من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
بنو الحدّاء
كان بنو الحدّاء عرجا، وكانت أرجلهم معوجّة شديدة الاعوجاج، فقال بشر بن أبي خازم:
لله درّ بني الحدّاء من نفروكلّ جار على جيرانه كلب
إذا غدوا وعصيّ الطّلح أرجلهمكما تنصّب وسط البيعة الصّلب
قال الأصمعي: عصيّ الطّلح وأغصانه أشدّ الأغصان اعوجاجا، فوصف أرجلهم بها.
ومن ذلك قول البطين لرجل من بني تغلب:
موقّع الوجه قليل الصّفحله كلام كعصيّ الطّلح
لأنّه كان معوجّ الكلام، مخرجه على غير الاستقامة.
وأنشدني أبو الرّديني العكلي:
فتى كان يعلو مفرق الحقّ قيلهإذا الخطباء الصّيد غضّل قيلها
يقول: إذا اعوج كلام الناس وزلّ عن الطريق علا كلامه مفرق الحق.
وبينا بيان سمعان في غرفة بالمدائن من أصحابه، وهو يخبرهم بما يكون من الملاحم، ومرّ به رجل أعور سكّير فقال: نعم والله لا تنقضي الفتنة حتّى يملك هذا الأعور أعنّة الخيل، إذ أشرف رجل منهم فرأى رجلا على الباب في زيّ السّلطان، وكان الرجل رسول صاحب الخراج إلى ربّ الدار، ولم يكن رسول السّلطان إليهم، فقال المشرف: أتيتم!
قد جاءتكم رسل السّلطان!! فتطافروا الجدران، وسقط بيان بن سمعان فانكسرت ساقه، وتهشّم وجهه، فلمّا علموا أن الرسل لم يكن لسلطان، وأنّه إنّما جاء إلى ربّ الدار نراجعوا، فقال له بعضهم: أنت تخبرنا عن الأمور الكائنة ولا تعلم بشأن هذا الرجل حتّى قتلت نفسك! قال: قد عرفت شأنه، ولكنّي أردت أن أبلو أخباركم! فقال معدان الأعمى: وهو أبو السّريّ الشّميطي، من أهل المازحين والمديبر، يذكر بيانا في قصيدته التي يذكر فيها أصناف الغالية وغيرهم، ممن خالف قول الشّميطيّة:
والذي طفّف الجدار من الرّعب وقد بات قاسم الأنفال
يعد الأعور المدامن سكراأن سيقتاد ضمّرا كالسّعالى
وإليه مع الخزائن طرّانقمات الورى وقود الرّعال
فغدا خامعا بوجه هشيموبساق كعود طلح بال
فهذا كلّه يدلّ على تفسير الأصمعيّ.
قال البطين:
أناس ترى الأفخاذ منهم بسوقهامرادي سفين في البطائح تمهر
وصف اعوجاج سوق هؤلاء العرجان بالمراديّ إذا رأيتها، فإنّك لا ترى المراديّ إلّا وهي معوجّة في العين أو منكسرة.
وقوله: «تمهر» يريد تسبح، لأنّ الماهر هو السابح..
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع