تجاوز إلى المحتوى

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

معاذ بن جبل

قالوا: وكان معاذ أمّة، وكان يشبه إبراهيم خليل الرحمن، ولم يكن في السّلف أحسن جردة ولا أنعم بدنا من معاذ، وسهل بن حنيف. وقال النبي ﷺ: «آمن كلّ شيء من معاذ حتّى خاتمه».

وكان يعدّ من الزّهّاد السّتّة، وقد شهد المشاهد، وولي للنبّي الولايات، وقبض الصّدقات وتعليم الناس الإسلام، وتدريسهم القرآن وهو ابن أقلّ من عشرين سنة. وكان عند رسول الله وجيها، وفي عيون المسلمين عظيما.

وقال الهيثم: أنبأنا أبو الهذيل سعيد بن عبيد الطائي في إسناد له قال:

بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن فنزل في حيّ منهم وقال:

لا تروني أصنع شيئا إلّا صنعتم مثله. وكان به عرج فكان إذا صلّى قدّم إحدى رجليه. قال: فلمّا صلّوا لم يبق منهم أحد إلا قدّم إحدى رجليه قال: فلما انصرفوا قال لهم: إنّما فعلت هذا من عرج، فلا تفعلوا مثل هذا.

وزعموا أنّه صلّى إلى قرب شجرة فكان غصن منها قد أضرّ بإحدى عينيه، فتناوله فكسره، فلم يبق أحد ممّن خلفه إلا تقدّم إلى الشّجرة فكسر منها غصنا.

قالوا: ولمّا قدم معاذ على النبي ﵇ ومعه أصحابه الذي قدم بهم سجدوا للنبي ﵇. وكانوا يرون ذلك من صنيع العامّة تعظيما للنبي ﷺ، فقال النبي: «اسجدوا لربّكم، وأكرموا أخاكم. ولو أمرت أحدا يسجد لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها ».

وكان أبو عبدان المخلّع مولى بلعنبر واسمه مرثد، وكان أطيب

الناس شعرا، وكان صعتريّا صاحب نيزكيّة وتخلّع، وكان يتشالّ، وإذا تكلم عقّف أصابعه. فلم يزل يتكلّف ذلك حتّى صار مخلّعا بالحقّ، وصار أسوأ حالا من الأشلّ. وكان في صغره خيّاطا فصار في حال لا يستطيع أن يملك نفسه ولا يمسك إبرة بيده. وهو الذي يقول:

الدّين أدناني وما كنت بالدّنيوأدنى من الدّين الذي لديات

وهو الذي يقول في أبيات له فاحشة يذكر فيها الغلمان:

وكل نكس بالكشخ معترفأصبح نحوي مؤاجرا دربا
صار له حاضبا فواحزنالو عزّ هذا التّمير ما حضبا

ومثله ما خبّرني به أبو عبّاد النّميري، واسم أبي عبّاد مروان، قال: كنت وأنا غلام أشتهي الصّعتريّة والمواثبة، والتّكاتف والتّشالّ، وتعقيف الأصابع إذا تكلّمت، فصرت والله كأنّي أفرغت في ذلك القالب إفراغا، فلمّا عقلت احتجت إلى أن أستوي فما أجابتني الطبيعة، ولا أجابتني تلك الجوارح إلّا بشدّة الاستكراه، وبقيت والله خنصر أصابعي ما تنبسط إلّا بأن أمدّها، ومتى تركتها عادت معقّفة.

وأبو عبّاد هو الذي يقول لمّا وجّهه بعض العمّال في السّعاية، وحفظ البيدر وما فيه، فقال:

كنت بازا أضرب الكركيّ والطّير العظاما
فتقنّصت بي الصّعوفأوهنت القدامي
وإذا ما أرسل البازي على الصّعو تعامى

وكان يتمثّل في ذلك بقول الفرزدق حين بعثوه يرعى الغنم فضيّعها وعاث فيها الذّئب، فقال عند ذلك في أبيات له، وهو أوّل شعر قاله:

وما كنت مضياعا ولكنّ همّتيسوى الرّعي مفطوما وإذ أنا يافع
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولائمتي يوما على ما أتت به»
أبيت أسوم النّفس كلّ عظيمةإذا وطؤت بالمكثرين المضاجع
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولائمتي يوما على ما أتت به»

وقد كان أبو عبّاد أراد قول أبي النّجم في صفة الراعي:

يميس بين الغانيات الجهّلكالصّقر يجفو عن طراد الدّخّل

وقد وصف عبيد الرّاعي، كيف تتحوّل صورة الراعي وتتبدّل خلقته، وكذلك كلّ صناعة فهي تصوّر صاحبها على ما يشاكلها. ألا ترى أنّ الحائك يعرف بصدرته وتفحّج رجليه، ولا يكون أبدا إلّا وجلد بطنه أسود وقد ذكر خلف بن خليفة [بذلك] وقال عبيد الرّاعي:

ترى وجهه قد شاب في غير لحيةوذا لبدة تحت العصابة أنزعا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ضعيف العصا بادي العروق ترى له»
ترى كعبه قد كان كعبين مرّةوتحسبه قد عاش حولا مكنّعا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ضعيف العصا بادي العروق ترى له»

وقال يزيد بن مفرّغ ما يؤكّد قولنا ويفسّره قال:

يقولون: أوس شاعر فاحذرنّهوما أنا إن لم أهج أوسا بشاعر
رأيت لأوس خلقة فشنيتهالهازم حرّاث وتقطيع جازر

وقال الآخر:

وصفت بجهدي وجه حفص وخلقهفما قلت فيه واحدا من ثمانيه
لهازم أكّار وخلقة كافروتقطيع كشخان ورأس ابن زانيه
ولحية قوّاد وعينا مخنّقوجبهة مأبون يناك علانيه
وراحة صبّاغ وصدرة حائكومرفق سقط ردّ في الرّحم ثانيه

وممن هجي بالخلقة وليس بشيء اجتلبه، جعفر بن يحيى، قال أبو نواس في جعفر بن يحيى:

قالوا: امتدحت فماذا اعتضت قلت لهمخرق النّعال وإخلاق السّراويل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قالوا امتدحت فماذا اعتضت قلت لهم»
قالوا: فسمّ لنا هذا، فقلت لهمأو وصفه يعدل التّفسير في القيل
ذاك الوزير الذي طالت علاوتهكأنّه ناظر في السّيف بالطّول

وقال أبو نواس فيه أيضا:

عجبت لهارون الخليفة ما الذييؤمّله من جعفر خلقة السّلق
قفا خلف وجه قد أطيل كأنّهقفا ملك يقضي الهموم على بثق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عجبت لهارون الإمام وما الذي»
وأعظم زهوا من ذباب على خراوألأم من كلب عقور على عرق
أرى جعفرا يزداد بخلا ورقّةإذا زاده الرحمن في سعة الرزق
ولو جاء غير البخل من عند جعفرلما وضعوه النّاس إلّا على حمق

. ومن العرجان:

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.