من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
صفي الدين بن شكر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبد الله بن علي بن الحسين بن عبد الخالق بن الحسين بن منصور الصاحب صفي الدين بن شكر، المصري الدميري المالكي.
ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وتوفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة، سمع من السلفي وجماعة، وحدث بدمشق ومصر، وروى عنه الزكي المنذري والشهاب القوصي، وكان مؤثراً لأهل العلم والصالحين كثير البر لهم، لا يشغله ما هو فيه من كثرة الأشغال عن مجالستهم ومباحثتهم، وأنشأ مدرسة قبالة داره بالقاهرة، وبنى مصلى العيد بدمشق، وبلط الجامع الأموي، وعمر الفوارة، وعمر جامع المزة وجامع حرستا.
وكان حلو اللسان، حسن الهيئة، ذا دهاء مفرط، فيه هوج وخبث وطيش ورعونة مفرطة وحقد لا تخبو ناره، ويظن أنه لا ينتقم فيعود وينتقم، لا ينام عن عدوه ولا يقبل له معذرة، ويجعل الرؤساء كلهم أعداءه، ولا يرضى لعدوه بدون الهلاك، لا تأخذه في نقماته رحمة، استولى على العادل ظاهراً وباطناً، ولم يمكن أحداً من الوصول إليه حتى الطبيب والفراش والحاجب عليهم عيون فلا يتكلم أحد منهم كلمة، ولا يأكل من الدولة فلساً، فإذا لاح له مال عظيم احتجنه، وعملت له قبسة العجلان فأمر كاتبه أن يكتبها ويردها، وقال: لا نستحل أن نأخذ منك ورقاً، وكان له في كل بلد من بلاد السلطان ضيعة أو أكثر في مصر والشام إلى خلاط، وبلغ مجموع مغله مائة ألف وعشرين ألف دينار، وكان يكثر الإدلال على العادل ويسخط أولاده وخواصه، وكان العادل يترضاه بما أمكنه، وتكرر ذلك منه، إلى أن غضب منه على حران، فأقره العادل على الغضب وأعرض عنه، وظهر له منه فساد، فنفاه عن مصر والشام، فسكن آمد وأحسن إليه صاحبها، فلما مات العادل عاد إلى مصر ووزر للكامل، وأخذ في المصادر، وكان قد عمي، مات أخوه ولم يتغير ومات أولاده وهو على حاله، وكان يحم حمى قوية ويأخذه النافض وهو في مجلسه ينفذ الأشغال ولا يلقي جنبه إلى الأرض، وكان يقول: ما في قلبي حسرة إلا ابن البيساني، وما تمرغ على عتباتي - يعني القاضي الفاضل - وكان يحضر عنده وهو يشتمه فلا يتغير، وداراه أحسن مداراة، وبذل له أموالاً جمة. وعرض له إسهال وزحير أنهكه حتى انقطع ويئس الأطباء منه، فدعا من حبسه عشرة شيوخ من كبار العمال والكتاب وقال: أنتم تشمتون بي، وركب عليهم المعاصير وهو يزحر وهم يصيحون إلى أن أصبح وقد خف ما به، وركب في ثالث يوم. وكان يقف على بابه الرؤساء من نصف الليل ومعهم المشاعل والشمع ويركب عند الصباح فلا يراهم ولا يرونه إما أن يرفع طرفه إلى السماء، وإما يعرج إلى طريق أخرى، وفيه يقول ابن عنين:
ضاع شعري وقل في الناس قدريمن وقوفي باب اللئيم ابن شكر
لو أتته حوالة بخراهقال سدوا بلحيتي باب جحري وفيه يقول أيضاً:
ونعمة جاءت إلى سفلةٍأبطره الإثراء لما ثرا
فالناس من بغض له كلمامروا عليه لعنوا شاورا
تباً لمصر ولها دولةًما رفعت في الناس إلا خرا
وكان السبب في انحرافه عن الفاضل رحمه الله تعالى ما قاله الفاضل وهو: وأما ابن شكر فهو من لا يشكر، وإذا ذكر الناس فهو الشيء الذي لا يذكر، فقيل للقاضي الفاضل: ما هو الشيء الذي لا يذكر؟ قال: الشيء الذي لا يذكر؛ وتوفي الفاضل رحمه الله تعالى وقد عصمه الله منه ولم يمكنه منه.
وفي ابن شكر يقول ابن شمس الخلافة:
مدحتك ألسنة الأنام مخافةوتقارضت لك في الثناء الأحسن
أترى الزمان مؤخراً في مدتيحتى أعيش إلى انطلاق الألسن
وقيل إنه عاش بعده وأطلق لسانه، ثم تمنى أن لا يكون قد عاش إلى انطلاق الألسن.
ولشعراء عصره فيه أمداح طنانة مليحة إلى الغاية، فممن امتدحه ابن الساعاتي وابن سناء الملك وابن نفادة وابن نبيه وابن عنين وغيرهم، والأمداح موجودة في دواوينهم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع