من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
تقي الدين السروجي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبد الله بن علي بن منجد بن ماجد بن بركات، الشيخ تقي الدين السروجي قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: كان رجلاً خيراً عفيفاً تالياً للقرآن، عنده حظ جيد من النحو واللغة والآداب، متقللاً من الدنيا، يغلب عليه حب الجمال مع العفة التامة والصيانة، نظم كثيراً وغنى بشعره المغنيون، وكان يكرر على المفصل والمتنبي والمقامات، ويستحضر حظاً كثيراً من صحاح الجوهري، وكان مأمون الصحبة طاهر اللسان، يتفقد أصحابه، لا يكاد يظهر إلا يوم الجمعة، وكان يكره أن يخبر أحد باسمه، لأنه كان يقول: لي مع الأصحاب ثلاث رتب: أول ما اجتمع بهم يقولون: جاء التقي راح التقي صبرت عليهم، وعلمت أنهم قد أخذوا في الملل، فإذا قالوا: جاء السروجي راح السروجي، فذلك آخر عهدي بهم.
وقال الشيخ شهاب الدين محمود: كان يكره مكان تكون فيه امرأة، ومن دعاه قال: شرطي معروف أن لا تحضر امرأة، وكنا يوم في دعوة فأحضر شوا، فأدخل إلى النسا يقطعوه ويجعلوه في الصحون فلم يأكل منه، وقال: أفيه لمسوه بأيديهم!!
وكان مولده سنة سبع وعشرين وستمائة بسروج، وتوفي بالقاهرة رابع رمضان سنة ثلاث وتسعين وستمائة.
قال أبو حيان: ولما توفي قال أبو محبوبة: والله ما أدفنه إلا في قبر ولدي، لأنه كان يهواه، وما أفرق بينهما، لما كان يعتقده من دينه وعفافه، رحمه الله تعالى.
ومن شعره:
أنعم بوصلك لي فهذا وقتهيكفي من الهجران ما قد ذقته
أنفقت عمري في هواك وليتنيأعطي وصولاً بالذي أنفقته
يا من شغلت بحبه عن غيرهوسلوت كل الناس حين عشقته
كم جال في ميدان حبك فارسبالصدق فيك إلى رضاك سبقته
أنت الذي جمع المحاسن وجههلكن عليه تصبري أنفقته
قال الوشاة قد ادعى بك نسبةًفسررت لما قلت قد صدقته
بالله إن سألوك عني قل لهمعبدي وملك يدي وما أعتقته
أو قيل مشتاق إليك فقل لهمأدري بذا وأنا الذي شوقته
يا حسن طيفٍ من خيالك زارنيمن فرحتي بلقاه ما حققته
فمضى وفي قلبي عليه حسرةلو كان يمكنني الرقاد لحقته وقال أيضاً:
دنيا المحب ودينه أحبابهفإذا جفوه تقطعت أسبابه
وإذا أتاهم في المحبة صادقاًكشف الحجاب له وعز جنابه
ومتى سقوه شراب أنس منهمرقت معانيه وراق شرابه
وإذا تهتك ما يلام لأنهسكران عشقٍ لا يفيد عتابه
بعث السلام مع النسيم رسالةًفأتاه في طي النسيم جوابه
قصد الحمى وأتاه يجهد في السرىحتى بدت أعلامه وقبابه
ورأى لليلى العامرية منزلاًبالجود يعرف والندى أصحابه
فيه الأمان لمن يخاف من الردىوالخير قد ظفرت به طلابه
قد أشرعت بيض الصوارم والقنامن حوله فهو المنيع حجابه
وعلى حماه جلالة من أهلهفلذالك طارقة العيون تهابه
كم قلبت فيه القلوب على الثرىشوقاً إليه وقبلت أعتابه
كم أخصبت منه الأباطح والربىللزائرين وفتحت أبوابه وقال أيضاً:
بالجانب الأيمن من خدهانقطة مسكٍ أشتهي شمها
حسبته لما بدا خالهاوجدته من حسنه عمها وقال أيضاً:
معاملة الأحباب بالوصل والوفافدع يا حبيبي عنك ذا الصد والجفا
وإن كان لي ذنب بجهلي فعلتهفمثلي من أخطأ ومثلك من عفا
أيا بدر تم حان منه طلوعهويا غصن بانٍ آن أن يتعطفا
كفى ما جرى من دمع عيني بالبكاوعشقي على قلبي جرى منه ما كفى
فإن كنت لا تدري وتعرف ما الهوىفقصدي أن تدري بذاك وتعرفا
أعد ذلك الفعل الجميل تجملاًوإن لم يكن طبعاً يكون تكلفا
فما أقبح الإعراض عمن تحبهوما أحسن الإقبال منه وألطفا
تقدم شوقي يسبق الدمع جارياًإليك ولكن عنك صبري تخلفا
فديتك محبوباً على السخط والرضىوعذرك مقبول على الغدر والوفا
وقال ﵀:
يا ساعي الشوق الذي مذ جرىجرت دموعي فهي أعوانه
خذ لي جواباً عن كتابي الذيإلى الحسينية عنوانه
فهي كما قد قيل وادي النقاوأهلها في الحسن غزلانه
امش قليلاً وانعطف يسرةًيلقاك درب طال بنيانه
واقصد بصدر الدرب دار الذيبحسنه تحسن جيرانه
سلم وقل يخشى مسن كي مسنأشت حديثاً طال كتمانه
كنكلم كزم ساوم إشى أط كبيفحبه أنت وأشجانه
واسأل لي الوصل فإن قال يوقفقل أوات قد طال هجرانه
وكن صديقي واقض لي حاجةً... فشكر ذا عندي وشكرانه أنشدني القاضي علم الدين ابن إبراهيم مستوفي الشام رحمه الله تعالى، بسوق الكتب في شهور سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة في معنى أبيات السروجي:
قصة الشوق سر بها يا رسولينحو من قربه مناي وسولي
عند باب الفتوح حارة بهاء الدين تحت الساباط قف يا خليلي
فإذا ما حللت تلك المغانيقف بتلك الطول غير مطيل
وتأمل هناك تلق غرير الطرف يرمي بالنبل كل نبيل
ألفي القوام قد ألف الهجر دلالاً على المحب الذليل
فإذا ما رأيته من بعيدٍيتثنى عجباً بتلك الطول
قبل الأرض ثم قدم إليهقصة ترجمت بشرحٍ طويل
فإذا قال اوزمي بختك در سلام بركيف حال المضنى الكئيب العليل
قل قلن خش دا كل تلاماس دنباذن ألاسن بلا تطويل
جد لمن في هواك قد شفه الوجد فأضحى حلف الضنى والنحول عدنا إلى شعر السروجي
وقال أيضاً:
قلت لمحبوبي وقد زارنيإلي يا محبوب قلبي إلي
قد عشق الناس وقد واصلواما وقع الإنكار إلا علي وقال أيضاً:
يا ريس الحب أدركني فقد وحلتمراكب الحب بي في بحر أشواقي
ولي بضاعة صبر ضاع أكثرهاوقد علانا الهوى يستغرق الباقي وله أيضاً:
تفقهت في عشقي لمن قد هويتهولي فيه بالتحرير قول ومذهب
وللعين تنبيه به طال شرحهوللقلب منه صدق ود مهذب وقال أيضاً:
عندي هوىً لك طال عمر زمانهلم يبق لي صبر على كتمانه
قد ضل قلبي عن طريق سلوهفدليله لا يهتدي لمكانه
يا صاحب القلب الذي أفراحهتلهيه عن قلبي وعن أحزانه
عيني لفقدك قد بدا إنسانهاوجفا الكرى شوقاً إلى إنسانه
يا من بدا في حسنه متلطفاًفعشقته وطمعت في إحسانه
كان اعتقادي أن أفوز بوصلهفحرمته ورزقت من هجرانه
كان الرقاد لصيد طيفك حيلتيفسلبته وفجعتني بعيانه
ومنعتني أن أجتني من وصلهثمراً يطيب جناه قبل أوانه
ضمن التلطف منك وصلي في الهوىلكن أطال وما وفى بضمانه
خوف الفراق إلى حماك يسوقنيفمتى أفوز من اللقا بأمانه وقال أيضاً:
مد إلي من أحب حبل صدودٍحين أوهى تجلدي واصطباري
ثم قال امش لي عليه سريعاًكيف أمشي وما أنا باختياري وقال أيضاً:
أرى المشتري في روضة الحسن قد بداعلى رصد المعشوق فالقلب واجد
وحقك ما السبع الوجوه إذا بدتبمغنيةٍ عن وجهه وهو واحد وقال أيضاً:
خدمت لذاك الوجه للثغر ناظراًلعلي أمسي والياً من ولاته
وأصل حسابي ضبط حاصل وصلهوتقبيله مستخرج من جهاته وقال أيضاً:
لي حبيب منه أرى وجه بدرٍلم يزل داخلاً بباب السعاده
هو للحسن جامع حاكميفلهذا عشاقه في الزياده وقال أيضاً:
نديمي ومن حالي من الوجد حالهومن هو مثلي عن مناه بعيد
أعد ذكر من أهوى فإني مدرسلذكراه من شوقي وأنت معيد وقال أيضاً:
ألا هل لجمع الشمل ممن أحبهدعوتك ملهوفاً وأنت سميع
فلم يبق لي مما تشوقت مهجةولم يبق لي مما بكيت دموع
وله أيضاً غفر الله له:
أفدي رئيساً كل فعل لهيحبه العبد ويرضاه
ومثله خادمه محسنوالعبد من طينة مولاه
وقال أيضاً:
يا مرحباً بقدوم جيران النقاكمل السرور بهم وطاب الملتقى
أنست بقربهم المنازل واغتدىوجه الزمان بهم منيراً مشرقا
ولطيب نشرهم تعطرت الصباوأرى على الدنيا بذلك رونقا
فتهن يا قلبي تهن وطالماقد بت نحوهم كئيباً شيقا
يا ناظري، ولك البشارة، طالماأبكاك من ألم البعاد وأرقا
فلمثل هذا اليوم كنت مؤملاًوإليه كنت على المدى متشوقا
يا جيرةً صفت الحياة بقربهموغدا بهم روض المسرة مونقا
لا تحسبوا أني سررت بغيركممذ كان شمل وصالنا متفرقا
وحياتكم ما لي سواكم مرتجىأبداً ولست بغيركم متعلقا
لكنني أخشى على أسراركمدمعاً غدا متدافعاً متدفقا
قد عبرت عبراته عن كل ماأخفى بطول بكائها لا منطقا
أحببتكم وأشعت حب سواكمإذ كنت حذراناً عليكم مشفقا
ولقد وجدت لبينكم يا سادتيما أزعج القلب المشوق وأقلقا وقال أيضاً:
سأودعك السر الذي قد كتمتهوأعلمك الأمر الذي قد علمته
وأفهمك المعنى اللطيف من الهوىواشرحه حتى تقول فهمته
فعندي حديث منك سوف أقولهإذا ما خلونا ساعة الوصل قلته
وتقرً من شوقي كتاباً مترجماًبدمعي على خدي إليك كتبته
وبي منك داء أصله كان نظرةًعدمت اصطباري عنك لما وجدته
سألت طبيب الحي ماذا دواؤهفرق لما أشكوه لما سألته
أراني إذا أبصرت شخصك مقبلاًتغير مني الحال عما عهدته
وقال جليسي ما لوجهك أصفراًفقلت له بالرغم مني صبغته
ومد إلى قلبي يداً وهو خافقفغالطته عنه وقلت فقدته
وقال لمن تهوى فقلت أهابهويشرقني دمعي إذا ما ذكرته
وقال وقد رأى زفة مليحٍ ليلة عرسه:
عاينت في بارحتي زفةًقضيت فيها كل أوطاري
وشمعها مثل نجوم الدجىمحيطة بالقمر الساري
ما زلت مذ عاينتها قائلاًيا ليتها كانت إلى داري
فلما سمع والد العروس هذه الأبيات حمل ولده طبق حلوى وأتى به إلى باب الشيخ تقي الدين، لما كان يعتقده فيه.
وقال أيضاً وهو عليل:
بالله إن حضرت لديك منيتيوشهدت من روحي الغداة حمامها
فكن الوفي لها فأنت قتلتهاوتمش خلف جنازتي وأمامها
فلعل منكراً أو نكيراً يبلغاروحي بأنك قد وفيت ذمامها
وقال أيضاً ﵀ موشحاً:
بالروح أفديك يا حبيبيإن كنت ترضى بها فداك
فداوني اليوم يا طبيبيفالجسم قد ذاب من جفاك
يا طلعة البدر إن تجلىوإن تثنى فغصن بان
بالوصل طوبى لمن تملىونال من قربك الأمان
قل لي نعم قد ضجرت من لاوضاع مني بها الزمان
فارجع إلى الله من قريبفبعض ما حل بي كفاك
من دمع عيني ومن نحيبيوادي الحمى أنبت الأراك
والله ما كنت في حسابيوإنما عشقق اتفاق
وما أنا من ذوي التصابيفلم دمي في الهوى يراق
وكلت بي تبتغي عذابيبالصد والبين والفراق
ثلاثة قد غدت نصيبييا ليتها لا عدت عداك
وإن تكن ترضى الذي بيفإن كل المنى رضاك
إن طال شوقي وزاد وجديفإنني عاشق صبور
اسمع حديثي بقيت بعديأنا وحق النبي غيور
ما أشتهي أن يكون ضدييمشي حواليك أو يدور
كأنما لحظه رقيبيملازم عندما أراك
يسعى إلى الناس في مغيبييقول هذا يحب ذاك
جميع ما تشتهي وترضىعلي إحضاره إليك
وذاك شيء أراه فرضابالله قل لي وما عليك
أنفق وخذ ما تريد نضافحاصلي أمره لديك
فأنت يا نزهتي طبيبيعن صحبتي ما لك انفكاك
ولا ابن عمي ولا نسيبييرى إلى مهجتي سواك
إن كنت تهوى مقام شربٍقم نغتبق ثم نصطبح
تعال حتى تزيل عتبيوبعد ذا العتب نصطلح
والحقد في القلب لا تغبيوروح الهم تسترح
فالعيش للعاشق الكئيبيطيب للأنس في حماك
في خلسة المنظر العجيبتجيبه كلما دعاك
وقال أيضاً موشحاً ﵀:
يا لائمي في الهوى كفانيفعد عن بعض ذا الملام
لم لا تلوم الذي جفانيوصد عن مقلتي المنام
هواه من أشكل المسائلكم حار في وصفه فقيه
وفيه ما تنفع الوسائلأخشاه جهدي وأتقيه
وكم عتابٍ وكم رسائلأعدها حين ألتقيه
يهتز من نشوة الدنانكأنما لحظه مدام
وتعتري سكتة اللسانيعود لا يفصح الكلام
أقسام هجرانه لعشقيماضٍ ومستقبل وحال
خاطرت في حبه بنطقيإذ قلت لا بد من وصال
أخلصت عزمي به وصدقيوقد تعرضت للسؤال
عسى بعين الرضا يرانيمن غير عجب ولا احتشام
يبدل البعد بالتدانيويعقب الهجر بالتئام
سكرت من حبه بشمسمن فوق عطفيه تطلع
وفيه يومي مضى وأمسيوشملنا ليس يجمع
عسى غداة اللقاء أمسيقد ضمنا فيه موضع
وانهب العيش من زمانيبالضم من ذلك القوام
وأبلغ القصد والأمانيبلثم ما قد حوى اللثام
مالي عذول عليه لكنلسوء حظي له رقيب
يكون في أبعد الأماكنتلقاه من جمعنا قريب
وفي فؤادي هواه ساكنوما لدائي به طبيب
في حسنه كامل المعانيكأنه البدر في التمام
وإنما نقصه اعترانيوذاب قلبي من الغرام
إذا تخلصت من غراميأتوب منه ولا أعود
ولا أقاسي على الدواممن لم يزل ينقض العهود
أجفان عيني به دواميمن طول ما يخلف الوعود
أراه بالطيف إن أتانيوليس في وصله مرام
وعن كلامي به تواني... حتى ولا لفظة السلام رحمه الله تعالى وتجاوز عنا وعنه وعن جميع لمسلمين آمين يا رب العالمين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع