من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
المنصور
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين، ولد سنة خمس وتسعين، وكان قبل الخلافة يقال له عبد الله الطويل، وصرف الآفاق إلى الحيرة والعراق وأصبهان وفارس، أتته الخلافة وهو بمكة، عهد إليه أخوه السفاح.
وكان أسمر طويلاً نحيفاً خفيف العارضين، مفرق الوجه رحب الجبهة، يخضب بالسواد، كأن عينيه لسانان ناطقان، يخلط أبهة الملك بزي النساك، تقبله القلوب وتتبعه العيون، وكان من أفراد الدهر حزماً ودهاء وجبروتاً حريصاً على جمع المال، وكان يلقب أبا الدوانيق لمحاسبته الكتاب والعمال على الدوانيق، وكان شجاعاً مهيباً تاركاً للهو واللعب كامل العقل، قتل خلقاً كثيراً حتى ثبت الأمر له ولولده، وكان فيه عدل وله حظ من صلاة وعلم وفقه؛ توفي محرماً على باب مكة في سادس ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، ودفن ما بين الحجون وبئر ميمون.
وكان فحل بني العباس، وكان بليغاً فصيحاً، ولما مات خلف في بيوت الأموال تسعمائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف درهم. وقال: رأيت كأني في الحرم ورسول الله ﷺ في الكعبة، وبابها مفتوح. فنادى منادٍ: أين عبد الله؟ فقام أخي أبو العباس السفاح حتى صار على الدرجة فأدخل، فما لبث أن أخرج ومعه لواء أسود على قفاه قدر أربعة أذرع. ثم نودي أين عبد الله؟ فقمت إلى الدرجة، فصعدت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وبلال، فعقد لي وأوصاني بأمته وعممني بعمامته وكان كورها ثلاثة وعشرين، وقال: خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة.
وعاش أربعاً وستين سنة، وتوفي ببئر ميمون من أرض الحرم، وكان يقول حين دخل في الثلاث وستين: هذه تسميها العرب القاتلة والحاصدة. وكان نقش خاتمه الحمد لله.
ومن شعره قوله لما قتل أبا مسلم الخرساني:
زعمت أن الدين لا يقتضىفاكتل بما كلت أبا مجرم
واشرب كؤوساً كنت تسقي بهاأمر في الحلق من العلقم
حتى متى تضمر بغضاً لناوأنت في الناس بنا تنتمي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع