من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
عبيد الله الوزير
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبيد الله بن سليمان بن وهب، أبو القاسم الكاتب الوزير، وزير المعتضد، مولده سنة ست وعشرين ومائتين، ووفاته سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكانت مدة وزارته للمعتضد عشر سنين، وهو الذي قال فيه ابن المعتز:
قد استوى الناس ومات الكمالوقال صرف الدهر: أين الرجال
هذا أبو العباس في نعشهقوموا انظروا كيف تسير الجبال
ولما دخل ابن المعتز على ابنه القاسم بن عبيد الله قال:
إني معزيك لا أني على ثقةمن الخلود ولكن سنة الدين
فما المعزى بباقٍ بعد صاحبهولا المعزي ولو عاشا إلى حين
ولما حمل على أعناق الرجال قال ابن المعتز:
وما كان ريح المسك ريح حنوطهولكنه هذا الثناء المخلف
وليس صرير النعش ما تسمعونهلولكنه أصلاب قومٍ تقصف
ولما تقدم القاسم للصلاة عليه قال ابن المعتز:
قضوا ما قضوا من أمره ثم قدمواإماماً لهم والنعش بين يديه
فصلوا عليه خاشعين كأنهموقوف خضوع للسلام عليه
ولما استتر عند ابن أبي عون التاجر دخل عليه يوماً فقام له، فقال له ابن أبي عون: يا سيدي اخبأ لي هذا القيام إلى وقت أنتفع به، فما كان إلا قليل حتى ولي الوزارة، فاستدعاه، فصار إليه وهو في مجلسه بخلعته والناس عنده، فقام إليه وعانقه وقال: هذا وقت ينتفع بقيامي، وأجلسه معه على طرف الدست، فما مضت ساعة حتى استدعاه المعتضد، فدخل عليه وغاب، ثم حضر وأخذ بيده إلى مكان خلوة وقال له: الخليفة طلبني بسببك، لأنه كوتب بخبرنا وأنكر علي وقال: تبذل مجلس الوزراء لتاجر، ولو كان ملك أو ولي عهد كان كثيراً، فقلت: يا أمير المؤمنين لم يذهب علي حق المجلس ولكن لي عذر، وأخبرته خبري معك فقال: أما الأن فقد عذرتك، ثم قال لي إني قد شهرتك شهرة أن لم يكن معك مائة ألف دينار معدة للنكبة هلكت، فيجب أن نحصلها لك لهذه الحالة فقط، ثم نحصل لك نعمة بعدها، ثم قال: هاتم فلاناً الكاتب، فجاء، فقال: أحضر الساعة التجار وسعر مائة ألف كر من غلات السلطان بالسواد عليهم، فخرج وعاد وقال: قد قررت معهم ذلك، فقال: بع على أبي عبد الله هذه الغلة بنقصان دينار مما قررت السعر مع التجار، وبعه له عليهم بالسعر الذي قررته معهم، وطالبهم الساعة بفضل ما بين السعرين، وأخرهم بالثمن إلى أن يتسلموا الغلال، واكتب إلى النواحي بتقبيضهم ذلك، فقام ابن أبي عون من المجلس وقد حصل له مائة ألف دينار، فقال له الوزير: اجعل هذه أصلاً لنعمتك، ولا يسألنك أحد من الخلق شيئاً إلا أخذت رقعته ووافقته على أجرة ذلك، وخاطبني فيه. وكان يعرض عليه في كل يوم ما يصل إليه بما فيه ألوف دنانير ويدخل في المكاسب الجليلة، وكان ربما قال له في بعض الرقاع: كم قرروا لك على هذه؟ فيقول: كذا، فيقول الوزير: هذه تسوى أكثر من ذلك، ارجع إليهم ولا تفارقهم إلا بكذا.
وكان ممن خدمه في أيام نكبته رجل يعرف بيعقوب الصايغ، وكان عامياً ساقطاً، فقلده لما ولي الوزارة حسبة الحضرة، فعزم الوزير في بعض الأوقات على السفر، فجلس للنظر فيما يحمل معه من خزانته ومن يسافر معه من أصحابه وخدمه، ويعقوب حاضر، فأمر الوزير بما يحمل معه، فلما انتهى إلى فصل قال يعقوب بغباوته وعاميته: ويحمل أيضاً معه كفن وحنوط، فتطير الوزير من ذلك وأعرض عنه، وأخذ يأمر وينهى، ولما انتهى إلى فصل من كلامه كرر يعقوب ذلك القول، فأعرض عنه ضجراً، وفعل ذلك ثالثاً، فقال الوزير: يا هذا أتخاف علي إن أنا مت أن أصلب أو أطرح على قارعة الطريق بغير كفن؟ إن تعذر الكفن لفوني في ثيابي، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع