تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

أبو العبر

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

محمد بن أحمد الهاشمي، كنيته أبو العباس، فصيرها " أبا العبر " ثم إنه كان يزيدها كل سنة حرفاً فمات وهو أبو العبر طرد طبك طلياري بك بك بك. وكان شاعراً ترك الجد وعدل إلى الهزل، حبسه المأمون وقال: هذا عار على بني هاشم، فصاح في الحبس: نصيحة لأمير المؤمنين، فأخبروه، فاستحضره وقال: هات نصيحتك، فقال: الكشكية أصلحك الله لا تطيب إلا بكشك، فضحك منه وقال: أرى أنه مجنون، فقال أبو العبر: إنما امتخطت حوت، فقال: ويحك! ما معنى قولك؟ فقال: أصلحك الله زعمت أنني مججت نون، وإنما امتخطت حوت، فأطلقه وقال: أظنني في حبسك مأثوم، قال: لا ولكنك في ماء بصل، فقال: أخرجوه عني ولا تقم في بغداد فهذا عار علينا.

وكان في مبدأ أمره صالح الشعر مع توسط، لا ينفق مع أبي تمام والبحتري وأضرابهما، فعمد إلى الحمق وكسب بذلك أضعاف ما كسبه كل شاعر بالجد. ومن قوله الصالح:

لا أقول الله يظلمنيكيف أشكو غير متهم
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة
وإذا ما الدهر ضعضعنيلم تجدني كافر النعم
قنعت نفسي بما ظفرتوتناهت في العلا هممي

قال عبد العزيز ابن أحمد: كان أبو العبر يجلس في مجلس يجتمع إليه المجان فكان يجلس على سلم وبين يديه بالوعة فيها ماء وحمأة وقد سد مجراها، وبيده قصبة طويلة، وعلى رأسه خف وفي رجليه قلنسوتان، ومستمليه في جوف بئر، وحوله ثلاثة يدقون بالهواوين، حتى تكثر الجلبة ويقل السماع، ويصيح مستمليه من البئر، ثم يملي عليهم، فإن ضحك أحد ممن حضر قاموا فصبوا على رأسه من البالوعة إن كان وضيعاً، وإن كان ذا مروءة رشوا عليه بالقصبة من مائها، ثم يحبس في الكنيف إلى أن ينقضي المجلس، فلا يخرج منه حتى يغرم درهمين.

ومن شعره الصالح:

أيها الأمرد المولع بالهجر أفق ما كذا سبيل الرشاد
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، من قصيدة «أَيهَا الْأَمْرَد المولع بالهج»
فكأني بحسن وجهك قد ألبس في عارضيك ثوب حداد
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، من قصيدة «أَيهَا الْأَمْرَد المولع بالهج»
وكأني بعاشقيك وقد أبدلت فيهم من خلطة ببعاد
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، من قصيدة «أَيهَا الْأَمْرَد المولع بالهج»
حيث تغضي العيون عنك كما ينقبض السمع من حديث معاد
فاغتنم قبل أن تصير إلى كان وتضحي من جملة الأضداد وقال أيضاً:
رأيت من العجائب قاضيينهما أحدوثة في الخافقين
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة
هما اقتسما العمى نصفين عمداًكما اقتسما قضاء الجانبين
هما فأل الزمان بهلك يحيىإذ افتتح القضاء بأعورين
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «رأيت من الكبائر قاضيين»
وتحسب منهما من هز رأساًلينظر في مواريث ودين
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «رأيت من الكبائر قاضيين»
كأنك قد جعلت عليه دناًفتحت بزاله من فرد عين
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «رأيت من الكبائر قاضيين»

وكان المتوكل يرمي به في المنجنيق إلى البركة، فإذا علا في الهواء يقول: الطريق، جاءكم المنجنيق، حتى يقع في البركة، فيطرح عليه الشباك ويصطاد، ويخرج وهو يقول: ويأمر بي ذا الملك " فيطرحوني في البرك " ويصطادني بالشبك، كأني بعض السمك، ويضحك لي هك هك.

قال بعضهم: رأيته ببعض آجام سامرا وهو عريان لا يواريه شيء، على يده اليمنى باشق وبيده اليسرى قوس، وعلى رأسه قطعة رثة من حبل مشدود بأنشوطة، وفي ذكره شعر مفتول فيه شص قد ألقاه لصيد السمك، وعلى شفته دوشاب ملطخ، فقلت له: خرب بيتك ما تصنع؟ قال: أصطاد بجميع جوارحي.

وفي كتاب " نثر الدر " باقي نوادره؛ وكانت وفاته بعد الأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى وعفا عنه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»