من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
الشيخ بهاء الدين ابن النحاس الحلبي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر، الإمام العلامة حجة العرب، بهاء الدين ابن النحاس الحلبي النحوي، شيخ العربية بالديار المصرية؛ ولد في سلخ جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وستمائة بحلب، وتوفي سنة ثمان وتسعين وستمائة بالقاهرة.
سمع ابن اللتي والموفق ابن يعيش وأبا القاسم ابن رواحة وابن خليل، وقرأ القرآن على أبي عبد الله الفاسي وأخذ عن جمال الدين ابن عمرون، ودخل مصر لما خربت حلب وأخذ عن بقايا شيوخها، ثم جلس للإفادة وتخرج به جماعة من الأئمة، وكان من أذكياء بني آدم، وله خبرة بالمنطق وإقليدس، مشهوراً بالدين والصدق والعدالة، مع اطراح الكلفة، يمشي في الليل بين القصرين بقميص وطاقية على رأسه فقط، وكان حسن الأخلاق فيه ظرف النحاة وانبساطهم، وكان له صورة كبيرة في صدور الناس، معروفاً بحل المشكلات، واقتنى كتباً نفيسة، ولم يتزوج قط، وكانت له أوراد من العبادة.
قال قطب الدين عبد الكريم: كان كثير التلامذة كثير الذكر كثير الصلاة، ثقة حجة، يسعى في مصالح الناس، وكان لا يدخر شيئاً، وكان عنده من أصحابه ومن الطلبة من يأكل على مائدته، وكان لا يكلم أحداً في حل النحو إلا بلغة العوام لا يراعي الإعراب.
وقال الشيخ أثير الدين: كان الشيخ بهاء الدين والشيخ محيي الدين محمد ابن عبد العزيز المازوني المقيم بالإسكندرية شيخي الديار المصرية، ولم ألق أحداً أكثر سماعاً لكتب الأدب من الشيخ بهاء الدين، وانفرد بسماع " الصحاح " للجوهري، وكان كثير العبادة والمروءة والترحم على من يعرفه، لا يكاد يأكل شيئاً وحده، وكان ينهى عن الخوض في العقائد، وله تودد إلى من ينتمي إلى الخير. ولي التدريس بجامع ابن طولون بالقبة المنصورية، وله تصدير بمصر، ولم يصنف شيئاً إلى إملاء على كتاب " المقرب " لابن عصفور من أول الكتاب إلى باب الوقف أو نحوه. توفي يوم الثلاثاء سابع جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين. وكنت أنا وأياه نمشي بين القصرين، فعبر علينا صبي يسمى بجمال، وكان مصارعاً، فقال الشيخ بهاء الدين: ينظم كل منا في هذا المصارع، فنظم الشيخ بهاء الدين:
مصارع تصرع الآساد سمرتهتيهاً فكل مليح دونه همج
لما غدا راجحاً في الحسن قلت لهمعن حسنه حدثوا عنه ولا حرج ونظم الشيخ أثير الدين أبو حيان:
سباني جمال من مليح مصارععليه دليل للملاحة واضح
لئن عز منه المثل فالكل دونهوإن خف منه الخصر فالردف راجح
قال الشيخ أثير الدين: وسمع الشيخ شهاب الدين العزازي نظمنا فنظم:
هل حكم ينصفني من هوىمصارع يصرع أسد الشرى
مذ فر مني الصبر في حبهحكى عليه مدمعي ما جرى
أباح قتلي في الهوى عامداًوقال كم من عاشق في الورى
رميته في أسر حبي ومنأجفان عينيه أخذت الكرى
وقال الشيخ أثير الدين: أنشدني بهاء الدين يخاطب رضي الدين الشاطبي وقد كلفه أن يشتري له قطراً:
أيها الأوحد الرضي الذي طا ل علاء وطاب في الناس نشرا
أنت بحر لا غرو إن نحن وافي ناك راجين من نداك القطرا
وأنشدني لنفسه ما كتب على منديل:
ضاع مني خصر الحبيب نحولاًفلهذا أضحي عليه أدور
لطفت خرقتي وودقت فجلتعن نظير كما حكتها الخصور
أكتم السر عن رقيب لهذابي يخفي دموعه المهجور وأنشدني لنفسه أيضاً:
أني تركت لذا الورى دنياهموظللت أنتظر الممات وأرقب
وقطعت في الدنيا علائق: ليس ليولد يموت ولا عقار يخرب
وله أيضاً في مليح شرطوه:
قلت لما شرطوه وجرىدمه القاني على الخد اليقق
ليس بدعاً ما أتوا في فعلهمهو بدر ستروه بالشفق
وكتب الخط الفائق المنسوب، وقرأ عليه جماعة من أهل عصره ومصره، وقرأ عليه الشيخ شمس الدين الذهبي، وكان يحفظ ثلث " صحاح " الجوهري، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع