من «الورقة» لابن الجراح (ت ٢٩٦هـ)
أبو المخفف
ماذا روى «الورقة» عن أبو المُخَفِّف؟
عاذر بن شاكر، وكان في أيام المأمون وبعد ذلك ببغداد، وله أشعار في وصف الخبز. وليس بهذا الآخر الذي كان بسر من رأى في أيامنا.
حدثني أبو عبد الله محمد بن الجهم صاحب الفراء قال: كان ظريفاً طيباً شاعراً، وكان يركب حِماراً، وتركب جارية له حماراً آخر. وتحتها خُرجٌ ويدور بغداد. ولا يمرُّ بذي سلطان ولا تاجر ولا صانع إلا أخذ منه شيئاً يسيراً، ومثل قطعة أو رغيف أو كسرة، قال: وكنت وغيري ممن يستطيبه ويُحبُّ محادثته نحتبسه فلا يقيم عندنا ويقول: لا أخالف رسمي واسمي: وأنشدني له شعراً كثيراً، من ذلك قوله:
دع عنكَ رسمَ الديارِودعْ صِفات القفارِ
وعدِّ عنْ ذِكرِ قومٍقدْ أكثروا في العُقارِ
ودع صِفاتِ الزنانيرِ في حضورِ العذارىِ
وصفْ رغيفاً سرياحكته شمسُ النهارِ
أو صورةُ البذرِ لما اسْتتمّ في الاستِدارِ
فليس يحسن إلافي وصفه أشعارِي
وذاكَ أني قديماًخلعتُ فيه عِذاري
وقال أيضاً:
جانبتُ وصلَ الغانياتِوصحوتُ عن وصلِ اللواتيِ
نعمتْ بهنَّ عُيونُ منْواصلنه حتى الممَاتِ
فدعِ الطولَ الجاهلٍيبكي الديارَ الخالياتِ
ودعِ المديحَ لأمردٍولخادمٍ ولغانِياتِ
وامدحْ رغيفاً زانهُحرفٌ يجلُّ عن الصفاتِ
يدعُ الحليمَ مُدلهًاحيرانَ يغلطُ في الصلاةِ
وكأنما نقشُ الرغيفِ نُجومُ ليل طالعاتِ
منعُ الرغيفِ سفاهةٌتركُ الرغيفِ منَ الهَباتِ
ومن قوله:
دعْ عنكَ لومي ياعذولُفلستُ أفهمُ ما تقولُ
إن الرغيف مُحببٌفي الناسِ مطلبه جميلُ
لا سيما إنْ كان وسطَ حروفه عِرقٌ نبيلُ
وثلاثةٌ من بعدهيُشفى فؤادي والغليلُ
وكان له دفتر فيه أسامي كل من له عليه وظيفة، وعلى الدفتر مكتوب:
دفترٌ فيه أساميكُلِّ قرمٍ وهُمامِ
وكريمٍ يُظهرُ البِشْرَ لنا عند السلامِ
يوجبُ النصف عليهحاتماً في كُلِّ عامِ
أو فلوساً كُلَّ شَهرِلثلاثين تمامِ
حدثني محمد بن القاسم قال: حدثني أبي قال: وقف علينا أبو المخفف أيام المأمون فأنشدنا:
إذا كنتمُ الكبارْوكُنا لكمْ صِغارْ
وصرتمْ تماطلونَمتى يقضمُ الحِمارْ؟
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. مصادر الموقع