من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل خبر [«من أحبّنا أهل البيت؛ فليستعدّ للفقر جلبابا، أو تجفافا]
روى أبو عبيد القاسم بن سلام فى كتابه غريب الحديث، عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال: «من أحبّنا أهل البيت؛ فليستعدّ للفقر جلبابا، أو تجفافا».
قال أبو عبيد: قد تأوّل بعض الناس هذا الخبر على أنه أراد به الفقر فى الدّنيا، قال:
وليس ذلك كذلك؛ لأنّا نرى فيمن يحبّهم مثل ما نرى فى سائر الناس، من الغنى والفقر، ولا تمييز بينهما، قال: والصّحيح أنه أراد الفقر فى يوم القيامة، وأخرج الكلام مخرج الموعظة والنصيحة والحثّ على الطاعات، فكأنه أراد: من أحبنا فليعدّ لفقره يوم القيامة ما يجبره من الثّواب، والقرب إلى الله تعالى، والزّلف عنده.
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن/ قتيبة: وجه الحديث خلاف ما قاله أبو عبيد، ولم يرد إلا الفقر فى الدّنيا؛ ومعنى الخبر أن من أحبّنا فليصبر على التقلّل من الدنيا والتقنّع فيها، وليأخذ نفسه بالكفّ عن أحوال الدنيا وأعراضها؛ وشبّه الصبر على الفقر بالتّجفاف أو الجلباب؛ لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب أو التّجفاف البدن. قال: ويشهد لصحة هذا التأويل ما روى عنه ﵇ أنه رأى قوما على بابه، فقال: يا قنبر، من هؤلاء؟ فقال له قنبر: هؤلاء شيعتك، فقال: ما لي لا أرى فيهم سيما الشيعة؟ قال:
وما سيما الشّيعة؟ قال: خمص البطون من الطّوى، يبس الشفاه من الظّما، عمش العيون من البكاء؛ هذا كله قول ابن قتيبة.
والوجهان جميعا فى الخبر حسنان؛ وإن كان الوجه الّذي ذكره ابن قتيبة أحسن وأنصع.
ويمكن أن يكون فى الخبر وجه ثالث تشهد بصحته اللّغة؛ وهو أن أحد وجوه معنى لفظة الفقر أن يحزّ أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو قريب منه، ثم يلوى عليه حبل، يذلّل بذلك الصّعب، يقال: فقره يفقره فقرا إذا فعل ذلك به، وبعير مفقور وبه فقرة، وكلّ شيء حززته وأثّرت فيه فقد فقّرته تفقيرا؛ ومنه سمّيت الفاقرة، وقيل سيف
مفقّر؛ فيحمل [القول على أنه ﵇ أراد]: من أحبّنا فليزمّ نفسه وليخطمها وليقدها إلى الطاعات، ويصرفها عمّا تميل طباعها إليه من الشّهوات، وليذللها على الصّبر عما كره منها، ومشقة ما أريد منها؛ كما يفعل ذلك بالبعير الصّعب؛ وهذا وجه فى الخبر ثالث لم يذكر، وليس يجب أن يستبعد حمل الكلام على بعض ما يحتمله إذا كان له شاهد
من اللغة وكلام العرب؛ لأن الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشّعر أن يذكر كلّ ما يحتمله الكلام من وجوه المعانى؛ فيجوز أن يكون أراد المخاطب كلّ واحد منها منفردا، وليس عليه العلم بمراده بعينه؛ فإن مراده مغيّب عنه، وأكثر ما يلزمه ما ذكرناه من ذكر وجوه احتمال الكلام.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع