من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
فصل [تأويل قوله تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها
]
قال الشّريف المرتضى رضى الله عنه: قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهانىّ فى قوله تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ.؛ قال: إنما خصّ الموزون دون المكيل بالذّكر لوجهين:
أحدهما أن غاية المكيل تنتهى إلى الوزن لأن سائر المكيلات إذا صارت طعاما دخلت فى باب الوزن وخرجت عن باب الكيل؛ فكأنّ الوزن أعمّ من الكيل.
والوجه الآخر أن فى الوزن معنى الكيل؛ لأن الوزن هو طلب مساواة الشيء بالشيء.
ومقايسته إليه، وتعديله به؛ وهذا المعنى ثابت فى الكيل، فخصّ الوزن بالذّكر لاشتماله على معنى الكيل.
هذا قول أبى مسلم، ووجه الآية وما يشهد له ظاهر لفظها غير ما سلكه أبو مسلم، وإنما أراد تعالى بالموزون المقدّر الواقع بحسب الحاجة؛ فلا يكون ناقصا عنها، ولا زائدا عليها زيادة مضرّة أو داخلة فى باب العبث. ونظير ذلك من كلامهم قولهم: كلام فلان موزون، وأفعاله مقدّرة موزونة؛ وإنما يراد ما أشرنا إليه، وعلى هذا المعنى تأوّل المفسرون ذكر الموازين فى القرآن على أحد التأويلين، وأنها التعديل والمساواة بين الثّواب والعقاب، قال الشاعر:
لها بشر مثل الحرير ومنطقرخيم الحواشى لا هراء ولا نزر
والهراء: الكثير، والنزر: القليل؛ فكأنه قال: إن حديثها لا يقلّ عن الحاجة
ولا يزيد عليها؛ وهذا يجرى مجرى أن تقول: هو موزون. وقال مالك بن أسماء ابن خارجة الفزارىّ:
وحديث ألذّه هو ممّاينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيانا وخير الحديث ما كان لحنا
وهذا الوجه الّذي ذكرناه أشبه بمراد الله تعالى فى الآية، وأليق بفصاحة القرآن/ وبلاغته الموفيتين على فصاحة سائر الفصحاء وبلاغتهم؛ فأمّا قول الشاعر الّذي استشهدنا بشعره: «وتلحن أحيانا» فلم يرد اللّحن فى الإعراب الّذي هو ضد الصواب؛ وإنما أراد الكناية عن الشيء والتعريض بذكره والعدول عن الإفصاح عنه؛ على معنى قوله تعالى:
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.، وقول الشاعر:
ولقد وحيت لكم لكيما تفطنواولحنت لحنا ليس بالمرتاب
وقد قيل: إن اللحن الّذي عنى فى البيت هو الفطنة وسرعة الفهم؛ على ما روى عن
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع