من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
فصل [ذكر بعض أخبار الشعراء المتقدمين ممن كان على مذاهب أهل العدل]
قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: وممّن كان من مشهورى الشعراء ومتقدّميهم على مذاهب أهل العدل ذو الرّمة؛ واسمه غيلان بن عقبة، وكنيته أبو الحارث، وذو الرّمة/ لقب لقّب به لبيت قاله، وهو قوله فى صفة الوتد:
أشعث باقى رمّة التّقليد
والرّمة: القطعة البالية من الحبل؛ يقال: حبل أرمام؛ إذا كان ضعيفا باليا؛ وقيل إنه إنما لقّب بذى الرّمة لأنه كان- وهو غلام- يتفزّع، فجاءته أمّه بمن كتب له كتابا وعلّقته عليه برمّة من حبل؛ فسمّى ذا الرّمة.
ويشهد بمذهبه فى العدل ما أخبرنا به أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدّثنا ابن دريد قال حدثنا أبو
عثمان الأشناندانىّ عن التّوزيّ عن أبى عبيدة قال:
اختصم رؤبة وذو الرّمّة عند بلال بن أبى بردة، فقال رؤبة: والله ما فحص طائر أفحوصا، ولا تقرمص سبع قرموصا إلّا بقضاء من الله وقدر؛ فقال له ذو الرّمة: والله ما قدّر الله على الذّئب أن يأكل حلوبة عيائل ضرائك؛ فقال رؤبة: أفبقدرته أكلها؟ هذا كذب
على الذئب ثان، فقال ذو الرّمّة: الكذب على الذّئب خير من الكذب على ربّ الذّئب.
وهذا الخبر صريح فى قوله بالعدل واحتجاجه عليه، وبصيرته فيه؛ فأما العيائل فهو جمع عيّل، وهو ذو العيال. والضرائك: جمع ضريك وهو الفقير.
قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثنا أحمد ابن محمد المكىّ عن أبى العيناء عن الأصمعىّ عن إسحاق بن سويد قال: أنشدنى ذو الرّمة:
وعينان قال الله كونا فكانتافعولان بالألباب ما تفعل الخمر
فقلت له: «فعولين» خبر الكون، فقال لى: لو سبّحت ربحت، إنما قلت: «وعينان فعولان» وصفتهما بذلك. وإنما تحرّز ذو الرّمة بهذا الكلام من القول بخلاف العدل.
وقد روى هذا الخبر على خلاف هذا الوجه؛ أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى أحمد بن خالد النحاس قال حدّثني محمد بن القاسم أبو العيناء قال حدّثنا الأصمعىّ قال: لما أنشد ذو الرّمة قوله:
وعينان قال الله كونا فكانتافعولين بالألباب ما تفعل الخمر
- وهو يريد: كونا فكانتا فعولين حيث كانتا - قال له عمرو بن عبيد: ويحك! قلت عظيما، فقل: «فعولان بالألباب»، فقال له ذو الرّمة، ما أبالى: أقلت هذا أم سبّحت، فلما علم بما ذهب إليه عمرو قال: سبحان الله! لو عنيت ما ظننت كنت جاهلا.
قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: وممّن روى أنه كان على مذاهب أهل العدل من شعراء الطبقة الأولى أعشى قيس بن ثعلبة، واستشهد بقوله:
استأثر الله بالوفاء وبالعدل وولى الملامة الرّجلا
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع