من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار صالح بن عبد القدّوس:
وأمّا صالح بن عبد القدّوس فكان متظاهرا بمذاهب الثّنوية، ويقال إن أبا الهذيل العلّاف ناظره فقطعه، ثم قال له: على أىّ شيء تعزم يا صالح؟ فقال: أستخير الله وأقول بالاثنين، فقال أبو الهذيل: فأيهما استخرت لا أمّ لك! !
وروى أنّ أبا الهذيل ناظره فى مسألة مشهورة فى الامتزاج الّذي ادّعوه بين النور والظلمة فأقام عليه الحجة فانقطع، وأنشأ يقول:
أبا الهذيل هداك الله يا رجلفأنت حقّا لعمرى معضل جدل
وروى أنّه رؤى يصلى صلاة تامة الرّكوع والسجود، فقيل له: ما هذا ومذهبك معروف! قال: سنّة البلد، وعادة الجسد، وسلامة الأهل والولد.
ويقال إنّه لما أراد المهدىّ قتله على الزندقة دحا إليه بكتاب وقال له: اقرأ هذا، قال:
وما هو؟ قال: كتاب الزّندقة، قال صالح: أو تعرفه أنت يا أمير المؤمنين إذا قرأته؟ قال:
لا، قال: أفتقتلني على ما لا تعرف! قال: فإنى أعرفه، قال صالح: فقد عرفته ولست بزنديق؛ وكذلك أقرؤه ولست بزنديق
وذكر محمد بن يزيد المبرّد قال: ذكر بعض الرواة أنّ صالحا لما نوظر فيما قذف به من الزندقة بحضرة المهدىّ
قال له المهدىّ: ألست القائل فى حفظك ما أنت عليه:
ربّ سرّ كتمته فكأنّىأخرس أو ثنى لسانى خبل
/ ولو أنّى أبديت للنّاس علمىلم يكن لى فى غير حبسى أكل
قال صالح: فإنى أتوب وأرجع، فقال له المهدىّ: هيهات! ألست القائل:
والشّيخ لا يترك أخلاقهحتّى يوارى فى ثرى رمسه
إذا ارعوى عاوده جهلهكذى الضّنى عاد إلى نكسه
ثم قدّم فقتل، ويقال إنه صلبه على الجسر ببغداذ.
ومن شعره وهو فى الحبس:
خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلهافلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا دخل السّجّان يوما لحاجةعجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا
ونفرح بالرّؤيا فجلّ حديثناإذا نحن أصبحنا الحديث عن الرّؤيا
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأتوإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
طوى دوننا الأخبار سجن ممنّعله حارس تهدا العيون ولا يهدا
قبرنا ولم ندفن فنحن بمعزلمن النّاس لا نخشى، فنغشى ولا نغشى
ألا أحد يأوى لأهل محلّةمقيمين فى الدّنيا وقد فارقوا الدّنيا
قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين أدام الله علوّه: وأظنّ أن ابن الجهم لحظ قول صالح: «فنغشى ولا نغشى» فى قوله يصف الحبس:
بيت يجدّد للكريم كرامةويزار فيه ولا يزور ويحفد
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع