من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مقتل زهير بن جذيمة العبسىّ:
فأما مقتل زهير بن جذيمة العبسىّ أبى قيس، فاختلفت الرواة فى سببه، فيقال إن هوازن
ابن منصور كانت تؤتى الإتاوة زهير بن جذيمة، ولم تكثر عامر بن صعصعة بعد، فهم أذلّ من يد فى رحم، فأتت عجوز من هوازن زهير بن جذيمة بسمن فى نحى، واعتذرت إليه، وشكت السنين اللّواتى تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدعّها- أى دفعها- بقوس فى يده عطل، فى صدرها، فسقطت فبدت عورتها، فغضبت من ذلك هوازن، وحقدته إلى ما كان فى صدرها من الغيظ، وكانت يومئذ قد أمرت بنو عامر بن صعصعة- أى كثرت- فآلى جعفر بن كلاب فقال: والله لأجعلنّ ذراعى هذه وراء عنقه حتى أقتل أو يقتل؛ وفى ذلك يقول خالد بن جعفر:
أريغونى إراغتكم فإنىوحذفة كالشجى تحت الوريد
/ مقرّبة أواسيها بنفسىوألحفها ردائى فى الجليد
لعلّ الله يمكننى عليهاجهارا من زهير أو أسيد
فإمّا تثقفونى فاقتلونىفمن أثقف فليس إلى خلود
ويقال بل كان السبب فى ذلك أن زهير بن جذيمة لما قتل فى غنىّ من قتل بابنه شأس وافى عكاظ، فلقيه خالد بن جعفر بن كلاب- وكان حدثا- فقال: يا زهير، أما آن لك أن تشتفى وتكف! - يعنى مما قتل بشاس- فأغلظ له زهير وحقره، فقال خالد: اللهم أمكن يدى هذه الشعراء القصيرة من عنق زهير بن جذيمة، ثم أعنّي عليه، فقال زهير: اللهم أمكن يدى هذه البيضاء الطويلة من عنق خالد، ثم خلّ بيننا، فقالت قريش: هلكت
والله يا زهير، قال: أنتم والله الذين لا علم لهم. ثم أجمع خالد بن جعفر على قصد زهير وقتله.
واتّفق نزول زهير بالقرب من أرض بنى عامر، وكانت تماضر بنت عمرو بن الشّريد امرأة زهير بن جذيمة وأم ولده، فمرّ به أخوها الحارث بن عمرو بن الشريد، فقال زهير لبنيه: إنّ هذا الحمار لطليعة عليكم فأوثقوه، فقالت أخته لبنيها: أيزوركم خالكم فتوثقونه؟ وقالت تماضر لأخيها الحارث بن عمرو بن الشريد: إنه ليريبنى اكبئنانك وقروتك- والاكبئنان الغمّ، والقروت السكوت- فلا يأخذنّ فيك ما قال زهير، فإنه رجل بيذارة غيذارة شنوءة.
- قال الأثرم: البيذارة: الكثير الكلام، والعيذان: السّيئ الخلق- ثم حلبوا له وطبا، وأخذوا عليه يمينا ألّا يجير عليهم، ولا ينذر بهم أحدا؛ فخرج الحارث حتى أتى بنى عامر، فقعد إلى شجرة يجتمع إليها بنو عامر، وألقى الوطب تحتها والقوم ينظرون، ثم قال: أيتها الشجرة الذليلة، اشربى من هذا اللبن، وانظرى ما طعمه. فقال قوم: هذا رجل مأخوذ عليه، وهو يخبركم خبرا، فذاقوا اللبن فإذا هو حلو لم يقرص بعد، فقالوا: إنه يخبرنا أن مطلبنا قريب، فركب خالد بن جعفر بن كلاب ومعه جماعة، وكان راكبا فرسه حذفة، فلقوا زهيرا، فاعتنق خالد زهيرا، وخرّا عن فرسيهما، ووقع خالد فوق زهير ونادى:
يا بنى عامر، اقتلوني والرجل، واستغاث زهير ببنيه، فأقبل إليه ورقاء بن زهير يشدّ بسيفه، فضرب خالدا ثلاث ضربات، فلم تغن شيئا، وكان على خالد درعان قد ظاهر بينهما، ثم ضرب حندج رأس زهير فقتله، ففى ذلك يقول ورقاء بن زهير:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالدفأقبلت أسعى كالعجول أبادر
[إلى بطلين ينهضان كلاهمايريدان نصل السّيف والسيف داثر]
فشلّت يمينى يوم أضرب خالداويستره منّى الحديد المظاهر
فيا ليت أنى قبل ضربة خالدويوم زهير لم تلدنى تماضر!
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع