تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ، وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ؛ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ؛.

فقال: كيف ينفى كون تولية الوجوه إلى الجهات من البرّ، وإنما يفعل ذلك فى الصلاة، وهى برّ لا محالة؟ وكيف خبّر عن البرّ «بمن» والبرّ كالمصدر، و «من» اسم محض؟ وعن أىّ شيء كنّى بالهاء فى قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ؟ وما المخصوص بأنها كناية عنه وقد تقدمت أشياء كثيرة؟ وعلى أىّ شيء ارتفع الْمُوفُونَ؟ وكيف نصب الصَّابِرِينَ، وهم معطوفون على الموفين؟ وكيف وحّد الكناية فى مواضع وجمعها فى أخر؟ فقال: مَنْ آمَنَ وآتَى الْمالَ وأَقامَ الصَّلاةَ، ثم قال:

وَالْمُوفُونَ، والصَّابِرِينَ؟.

يقال له: فيما ذكرته أوّلا جوابان:

أحدهما أنّه أراد تعالى: ليس الصّلاة هى البرّ كلّه؛ لكنه ما عدّد فى الآية من ضروب الطاعات وصنوف الواجبات، فلا تظنوا أنكم إذا توجّهتم إلى الجهات بصلاتكم، فقد أحرزتم البرّ بأسره، وحزتموه بكماله، بل يبقى عليكم بعد ذلك معظمه وأكثره.

والجواب الثانى أن النّصارى لما توجّهوا إلى المشرق، واليهود إلى بيت المقدس، واتخذوا

هاتين الجهتين قبلتين، واعتقدوا فى الصلاة إليهما أنهما/ برّ وطاعة خلافا على الرسول صلى الله عليه وآله أكذبهم الله تعالى فى ذلك، وبيّن أن ذلك ليس من البر، إذ كان منسوخا بشريعة النبي صلى الله عليه وآله؛ التى تلزم الأسود والأبيض، والعربى والعجمىّ، وأن البرّ هو ما تضمنته الآية.

فأما إخباره «بمن» ففيه وجوه ثلاثة:

أولها أن يكون معنى «البرّ» هاهنا البارّ وذا البرّ، وجعل أحدهما فى مكان الآخر؛ والتقدير:

ولكنّ البارّ من آمن بالله؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً؛، يريد غائرا، ومثل قول الشاعر:

ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرتفإنما هى إقبال وإدبار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»

أراد أنها مقبلة مدبرة، ومثله:

تظلّ جيادهم نوحا عليهممقلّدة أعنّتها صفونا

أراد نائحة عليهم، ومثله قول الشاعر:

هريقى من دموعهما سجاماضباع وجاوبى نوحا قياما

والوجه الثانى أن العرب قد تخبر عن الاسم بالمصدر والفعل، وعن المصدر بالاسم، فأمّا إخبارهم عن المصدر بالاسم فقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وقول العرب: إنما البرّ الّذي يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، وأما إخبارهم عن الاسم بالمصدر والفعل فمثل قول الشاعر:

لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحىولكنّما الفتيان كلّ فتى ند

فجعل «أن تنبت» وهو مصدر خبرا عن الفتيان.

والوجه الثالث أن يكون المعنى: ولكن البرّ برّ من آمن؛ فحذف البرّ الثانى، وأقام «من» مقامه؛ كقوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ؛، أراد:

حبّ العجل، قال الشاعر:

وكيف تواصل من أصبحتخلالته كأبي مرحب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

أراد: كخلالة أبى مرحب؛ وقال النابغة:

/ وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتىعلى وعل فى ذى المطارة عاقل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أهاجك من أسماء رسم المنازل»

أراد على مخافة وعل. وتقول العرب: بنو فلان يطؤهم الطريق، أى أهل الطريق.

وحكى عن بعضهم: أطيب النّاس الزّبد، أى أطيب ما يأكل الناس الزّبد، وكذلك قولهم: حسبت صباحى زيدا، أى صباح زيد، وروى عن ابن عباس فى قوله تعالى:

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ؛، أى ليس على من أكل مع الأعمى حرج، وفى قوله تعالى: رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ،، وذكروا أنه كان راعيا تبعهم.

فأما من كنى عنه بالهاء فى قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى ففيه وجوه أربعة:

أولها: أن تكون الهاء راجعة على المال الّذي تقدم ذكره، ويكون المعنى: وآتى المال على حبّ المال، وأضيف الحب إلى المفعول، ولم يذكر الفاعل: كما يقول للقائل: اشتريت طعامى كاشتراء طعامك، والمعنى كاشترائك طعامك.

والوجه الثانى أن تكون الهاء راجعة إلى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل، ولم يذكر المفعول لظهور المعنى ووضوحه.

والوجه الثالث أن ترجع الهاء إلى الإيتاء الّذي دلّ آتَى عليه، والمعنى: وأعطى المال على حبّ الإعطاء، ويجرى ذلك مجرى قول القطامىّ:

هم الملوك وأبناء الملوك لهموالآخذون به والسّاسة الأول

فكنّى بالهاء عن الملك، لدلالة قوله: «الملوك» عليه، ومثله قول الشاعر:

إذا نهى السّفيه جرى إليهوخالف والسّفيه إلى خلاف

أراد: جرى إلى السّفه الّذي دلّ ذكر السفيه عليه.

والوجه الرابع: أن تكون الهاء ترجع إلى الله تعالى؛ لأن ذكره تعالى قد تقدم، فيكون المعنى: وآتى المال على حبّ الله ذوى القربى واليتامى. فإن قيل: فأىّ فائدة فى ذلك، وقد علمنا الفائدة فى إيتاء المال مع محبته والضّنّ به، وأن العطية تكون أشرف وأمدح، فما الفائدة فيما ذكرتموه؟ وما معنى محبة الله، والمحبة عندكم هى الإرادة، والقديم تعالى لا يصح أن يراد؟.

قلنا: أما المحبة عندنا فهى الإرادة، إلّا أنهم يستعملونها كثيرا مع حذف متعلّقها مجازا وتوسعا، فيقولون: فلان يحب زيدا، إذا أراد منافعه، ولا يقولون: زيد/ يريد عمرا؛ بمعنى

أنه يريد منافعه، لأن التعارف جرى فى استعمال الحذف والاختصار فى المحبة دون الإرادة، وإن كان المعنى واحدا.

وقد ذكر أن لقولهم: زيد يحب عمرا مزية على قولهم: يريد منافعه، لأن اللفظ الأول ينبئ عن أنه لا يريد إلا منافعه، وأنه لا يريد شيئا من مضاره، والثانى لا يدلّ على ذلك، فحصلت له مزية؛ وعلى هذا المعنى نصف الله تعالى بأنه يحب أولياءه والمؤمنين من عباده؛ والمعنى فيه أنه يريد لهم ضروب الخير، من التعظيم والإجلال والنعم؛ فأما وصف أحدنا بأنه يحب الله تعالى فالمعنى فيه أنه يريد تعظيمه وعبادته والقيام بطاعته، ولا يصحّ المعنى الّذي ذكرناه فى محبة العباد بعضهم بعضا؛ لاستحالة المنافع عليه. ومن جوّز عليه تعالى الانتفاع لا يصحّ أيضا أن يكون محبّا له على هذا المعنى، لأنه باعتقاده ذلك قد خرج من أن يكون عارفا به، فمحبته فى الحقيقة لا تتعلّق به ولا تتوجه إليه؛ كما تقول فى أصحاب التشبيه: إنّهم إذا عبدوا من اعتقدوه إلها فقد عبدوا غير الله تعالى.

فأما الفائدة فى إعطاء المال مع محبة الله تعالى فهى ظاهرة؛ لأن إعطاء المال متى قارنته إرادة وجه الله وعبادته وطاعته استحقّ به الثواب، ومتى لم يقترن به ذلك لم يستحق الفاعل به ثوابا، وكان ضائعا. وتأثير ما ذكرناه أبلغ من تأثير حبّ المال والضّنّ به؛ لأن المحبّ للمال/ الضنين به متى بذله وأعطاه، ولم يقصد به الطاعة والعبادة والقربة لم يستحق به شيئا من الثواب؛ وإنما يؤثّر حبّه للمال فى زيادة الثواب؛ متى حصل ما ذكرناه من قصد القربة والعبادة، ولو تقرب بالعطية، وهو غير ضنين بالمال، ولا محبّ له لاستحقّ الثواب. وهذا الوجه لم نسبق إليه فى هذه الآية، وهو أحسن ما قيل فيها.

وقد ذكر وجه آخر؛ وهو أن تكون الهاء راجعة إلى مَنْ آمَنَ أيضا، وينتصب ذوى القربى بالحبّ، ولا يجعل «لآتى» منصوبا لوضوح المعنى، ويكون تقدير الكلام:

وأعطى المال فى حال حبه ذوى القربى واليتامى، على محبّته إياهم؛ وهذا الوجه ليس فيه

مزية فى باب رجوع الهاء التى وقع عنها السؤال، وإنما يتبين مما تقدم بتقدير انتصاب ذوى القربى بالحب، وذلك غير ما وقع السؤال عنه؛ والأجوبة الأول أقوى وأولى.

فأما قوله: وَالْمُوفُونَ، ففى رفعه وجهان:

أحدهما أن يكون مرفوعا على المدح؛ لأنّ النعت إذا طال وكثر رفع بعضه، ونصب بعضه على المدح؛ ويكون المعنى: وهم الموفون بعهدهم، قال الزجّاج: وهذا أجود الوجهين.

والوجه الآخر أن يكون معطوفا على مَنْ آمَنَ، ويكون المعنى: ولكنّ ذا البرّ وذوى البرّ المؤمنون والموفون بعهدهم.

فأما نصب الصَّابِرِينَ ففيه وجهان:

أحدهما المدح، لأن مذهبهم فى الصفات والنعوت إذا طالت أن يعترضوا بينها بالمدح أو الذم، ليميّزوا الممدوح أو المذموم ويفردوه، فيكون غير متبع لأول الكلام؛ من ذلك قول الخرنق بنت بدر بن هفّان:

لا يبعدن قومى الّذين همسمّ العداة وآفة الجزر
للشاعر الخرنق بنت بدر، من قصيدة «لا يبعدن قومي الذين هم»
النّازلين بكلّ معتركوالطّيّبين معاقد الأزر

فنصبت ذلك على المدح، وربما رفعوهما جميعا، على أن يتبع آخر الكلام أوله؛ ومنهم من ينصب «النازلين» ويرفع «الطيبين»، وآخرون يرفعون «النازلين» وينصبون «الطيبين»؛ والوجه فى النصب والرفع ما ذكرناه، ومن ذلك قول الشاعر، أنشده الفراء:

إلى الملك القرم وابن الهماموليث الكتيبة فى المزدحم
وذا الرّأى حين تغمّ الأموربذات الصّليل وذات اللّجم

فنصب «ليث الكتيبة وذا الرأى» على المدح. وأنشد الفرّاء أيضا:

فليت التى فيها النّجوم تواضعتعلى كلّ غثّ منهم وسمين
غيوث الحيا فى كلّ محل ولزبةأسود الشّرى يحمين كلّ عربن

ومما نصب على الذم قوله:

سقونى الخمر ثمّ تكنّفونىعداة الله من كذب وزور

والوجه الآخر فى نصب: الصَّابِرِينَ أن يكون معطوفا على ذوى القربى، ويكون المعنى: وآتى المال على/ حبّه ذوى القربى والصابرين؛ قال الزجّاج: وهذا لا يصلح إلّا أن يكون وَالْمُوفُونَ رفع على المدح للمضمرين، لأن ما فى الصلة لا يعطف عليه بعد العطف على الموصول، وكان يقوى الوجه الأول.

وأما توحيد الذّكر فى موضع وجمعه فى آخر؛ فلأن مَنْ آمَنَ لفظه لفظ الوحدة، وإن كان فى المعنى للجميع فالذّكر الّذي أتى بعده موحّدا أجرى على اللفظ، وما جاء من الوصف بعد ذلك على سبيل الجمع مثل قوله تعالى: وَالْمُوفُونَ، وَالصَّابِرِينَ فعلى المعنى.

وقد اختلفت قراءة القرّاء السبعة فى رفع الراء ونصبها من قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ، فقرأ حمزة وعاصم فى رواية حفص لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الراء، وروى هبيرة عن حفص عن عاصم أنه كان يقرأ بالنصب والرفع، وقرأ الباقون بالرفع، والوجهان جميعا حسنان؛ لأنّ كلّ واحد من الاسمين: اسم ليس وخبرها معرفة، فإذا اجتمعا فى التعريف

تكافئا فى جواز كون أحدهما اسما والآخر خبرا؛ كما تتكافأ النكرات.

وحجة من رفع «البرّ» أنه: لأن يكون «البرّ» الفاعل أولى؛ لأنّه ليس يشبه الفعل، وكون الفاعل بعد الفعل أولى من كون المفعول بعده؛ ألا ترى أنّك إذا قلت: قام زيد، فإن الاسم يلى الفعل. وتقول: ضرب غلامه زيد، فيكون التقدير فى الغلام التأخير، فلولا أن الفاعل أخصّ بهذا الموضع لم يجز هذا؛ كما لم يجز فى الفاعل: ضرب غلامه زيدا، حيث لم يجز فى الفاعل تقدير التأخير؛ كما جاز فى المفعول به، لوقوع الفاعل موقعه المختص به.

وحجة من نصب «البرّ» أن يقول: كون الاسم أن وصلتها أولى لشبهها بالمضمر فى أنها لا توصف، كما لا يوصف المضمر؛ فكأنه اجتمع مضمر ومظهر؛ والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب فى الاختصاص من المظهر.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (١٢)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.