تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ]

قال سيدنا الشريف الأجلّ ذو المجدين/ أطال الله بقاءه: إن سأل سائل فقال: ما الوجه فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛، وفى موضع آخر: وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛؛ وظاهر هذا القول يقتضي أنّ قتلهم قد يكون بحقّ. وقوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ؛. وقوله: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها؛، وقوله: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا؛، وقوله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً؛؛ والسؤال عن هذه الآيات كلّها من وجه واحد وهو الّذي تقدم.

الجواب، أنّ للعرب فيما جرى هذا المجرى من الكلام عادة معروفة، ومذهبا مشهورا، عند من تصفّح كلامهم وفهم عنهم. ومرادهم بذلك المبالغة فى النفى وتأكيده؛ فمن ذلك قولهم: فلان لا يرجى خيره؛ ليس يريدون أنّ فيه خيرا لا يرجى، وإنما غرضهم أنّه لا خير عنده على وجه من الوجوه؛ ومثله: قلّما رأيت مثل هذا الرجل، وإنما يريدون أنّ مثله لم ير لا قليلا ولا كثيرا؛ وقال امرؤ القيس:

على لاحب لا يهتدى بمنارهإذا سافه العود الدّيافىّ جرجرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

يصف طريقا؛ وأراد بقوله: «لا يهتدى بمناره» أنه لا منار له فيهتدى بها.

والعود: المسنّ من الإبل، والدّيافىّ: منسوب إلى دياف، قرية بالشام معروفة.

وسافه: شمّه، والجرجرة مثل الهدير؛ وإنّما أراد أنّ العود إذا شمّه عرفه فاستبعده، وذكر ما يلحقه فيه من المشقّة، فجرجر لذلك؛ وقال ابن أحمر:

لا تفزع الأرنب أهوالهاولا ترى الضّبّ بها ينجحر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «قد بكرت عاذلتي بكرة»

أراد: ليست بها أهوال فتفزع الأرنب؛ وقال النّابغة:

يحفّه جانبا نيق وتتبعهمثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

أراد: ليس بها رمد فتكحل له؛ وقال امرؤ القيس أيضا:

وصمّ حوام ما يقين من الوجىكأنّ مكان الرّدف منه على رال

/ يصف حوافر فرسه. وقوله: «ما يقين من الوجى» فالوجى هو الحفا، و «يقين»؛ أى يتوقّين، يقال: وقى الفرس إذا هاب المشى، فأراد أنه لا وجى بحوافره فيتهيبن الأرض من أجله، والرأل: فرخ النعام، وشبّه إشراف عجزه بعجز الرّأل؛ وقال الآخر:

لا يغمز السّاق من أين ولا وصبولا يعضّ على شرسوفه الصّفر

أراد: ليس بساقه أين ولا وصب فيغمزهما من أجلهما؛ وقال سويد بن أبى كاهل:

من أناس ليس من أخلاقهمعاجل الفحش ولا سوء الجزع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

ولم يرد أنّ فى أخلاقهم فحشا آجلا ولا جزعا؛ وإنما أراد نفى الفحش والجزع عن أخلاقهم. ومثل ذلك قولهم: فلان غير سريع إلى الخنا، وهم يريدون أنّه لا يقرب الخنا، لا نفى الإسراع حسب. وقال الفرزدق وهو يهجو ابنى جعفر بن كلاب، ويعيّرهم بقتلى منهم أصيبوا فى حروبهم، فحملت النساء هؤلاء القتلى حتى أتين بهم الحىّ:

ولم تأت عير أهلها بالذّي أتتبه جعفرا يوم الهضيبات عيرها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «مكان ابنها إذ هاجني بعوائه»
أتتهم بعير لم تكن هجريةولا حنطة الشام المزيت خميرها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «مكان ابنها إذ هاجني بعوائه»

يعنى أنّ العير إنما تحمل التمر أو الطعام إلى الحى، فحملت عير هؤلاء القوم القتلى، وقوله:

«لم تكن هجرية»؛ أى لم تحمل التمر، وذلك لكثرة التمر بهجر، ثم قال: «ولا حنطة الشام المزيت خميرها»، ولم يرد أن هناك حنطة ليس فى خميرها زيت؛ لكنه أراد أنها لم لم تحمل تمرا ولا حنطة، ثم وصف الحنطة وما يجعل فى خميرها من الزيت.

وعلى هذا يقع تأويل الآيات التى وقع السؤال عنها، لأنه تعالى لما قال: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ دلّ على أن قتلهم لا يكون إلّا بغير حق، ثم وصف القتل بما لا بد أن يكون عليه من الصفة، وهى وقوعه على خلاف الحقّ؛ وكذلك: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ، إنما [هو وصف لهذا الدعاء، وأنه لا يكون إلا عن غير برهان]. وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وجهه أيضا أنه لو كان هناك عمد لرأيتموه، فإذا نفى رؤية

العمد نفى وجود العمد؛ كما قال: «لا يهتدى بمناره»، أى لا منار له من حيث علم أنه لو كان له منار لاهتدى به، فصار نفى الاهتداء بالمنار نفيا لوجود المنار. وقوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ تغليظ وتأكيد فى تحذيرهم الكفر، وهو أبلغ من أن يقول: «ولا تكفروا به»، ويجرى مجرى قولهم:

فلان لا يسرع إلى الخنا؛ وقلّما رأيت مثله إذا أرادوا به تأكيد نفى الخنا ونفى رؤية مثل المذكور. وكذلك قوله: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً، معناه لا مسألة تقع منهم، ومثل الأول: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا؛ والفائدة أن كل ثمن لها لا يكون إلا قليلا، فصار نفى الثمن القليل نفيا لكل ثمن، وهذا واضح بحمد الله ومنّه.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.