من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار الحارث بن كعب المذحجىّ ووصيته حين الموت وشرح ما ورد فى ذلك:
أحد المعمّرين الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن أدد المذحجىّ، ومذحج هى أم مالك بن أدد، نسب ولد مالك إليها، وإنما سمّيت مذحجا لأنها ولدت على أكمة تسمى مذحجا، واسمها مدلّة بنت ذى منجشان.
قال أبو حاتم السجستانىّ: جمع الحارث بن كعب بنيه لما حضرته الوفاة فقال:
«يا بنى، قد أتى عليّ ستون ومائة سنة، ما صافحت بيمينى يمين غادر، ولا قنّعت نفسى بخلّة فاجر، ولا صبوت بابنة عمّ ولا كنّة، ولا طرحت عندى مومسة قناعها، ولا بحت لصديقى بسرّ، وإنى لعلى دين شعيب النبي ﵇، وما عليه أحد من العرب غيرى، وغير أسد بن خزيمة، وتميم بن مرّة، فاحفظوا وصيّتى، وموتوا على شريعتى: إلهكم فاتقوه يكفكم المهمّ من أموركم، ويصلح لكم أعمالكم؛ وإياكم ومعصيته، لا يحلّ بكم الدّمار، ويوحش منكم الدّيار. يا بنيّ، كونوا جميعا ولا تفرقوا فتكونوا شيعا، وإنّ موتا فى عزّ خير من حياة فى ذلّ وعجز، وكلّ ما هو كائن كائن، وكلّ جميع إلى تباين.
الدهر [صرفان: فصرف رخاء، وصرف بلاء]، واليوم يومان: فيوم حبرة، ويوم
عبرة، والناس رجلان: فرجل معك ورجل عليك، وتزوّجوا الأكفاء، وليستعملن فى فى طيبهن الماء، وتجنّبوا/ الحمقاء؛ فإن ولدها إلى أفن ما يكون، إلا أنه لا راحة لقاطع القرابة، وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم منهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة؛ والتفضّل بالحسنة يقى السيئة، والمكافأة بالسيئة الدخول فيها. العمل السوء يزيل النّعماء، وقطيعة الرّحم تورث الهمّ، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النّكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد، والنصيحة تجر الفضيحة، والحقد يمنع الرّفد، ولزوم الخطيئة يعقب البلية، وسوء الرّعة يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعو إلى التباين»؛ ثم أنشأ يقول:
أكلت شبابى فأفنيتهوأفنيت بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهمفبادوا وأصبحت شيخا كبيرا
قليل الطّعام عسير القيامقد ترك الدّهر خطوى قصيرا
أبيت أراعى نجوم السّماءأقلّب أمرى بطونا ظهورا
قوله: «ولا صبوت بابنة عم ولا كنّة»، الصّبوة هى رقّة الحبّ، [والكنّة. امرأة أخى الرجل وامرأة ابن أخيه].
فأما المومسة، فهى الفاجرة البغىّ، وأراد بقوله: «إنها لم تطرح عنده قناعها» أى لم تتبذّل عنده وتتبسّط، كما تفعل مع من يريد الفجور بها.
وقوله: «فيوم حبرة ويوم عبرة»، فالحبرة: الفرح والسرور، والعبرة تكون من ضدّ ذلك؛ لأنّ العبرة لا تكون إلّا من أمر محزن مؤلم.
وأما الأفن، فهو الحمق؛ يقال: رجل أفين؛ إذا كان أحمق؛ ومثل من أمثالهم:
«وجدان الرقين؛ يغطّى على أفن الأفين»، أى وجدان المال يغطّى على حمق الاحمق، وواحد الرّقين رقة، وهى الفضة.
فأما قوله: «النصيحة تجر الفضيحة»، فيشبه أن يكون معناه أنّ النّصيح إذا نصح لمن لا يقبل نصيحته، ولا يصغى إلى موعظته فقد افتضح عنده؛ لأنه أفضى إليه بسرّه، وباح بمكنون صدره.
فأما «سوء الرّعة»، فإنه يقال: فلان حسن الرّعة والتورّع، أى حسن الطريقة.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع