من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار عمرو بن ربيعة المستوغر وإيراد بعض أشعاره:
ومن المعمّرين المستوغر، وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ابن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر.
وإنما سمّى المستوغر ببيت قاله، وهو:
/ ينشّ الماء فى الرّبلات منهانشيش الرّضف فى اللّبن الوغير
الرّبلات: واحدتها، ربلة، وربلة، بفتح الباء وإسكانها، وهى كلّ لحمة غليظة؛ هكذا ذكر ابن دريد.
والرّضف: الحجارة المحماة، وفى الحديث: «كأنه على الرّضف»؛ واللبن الوغير: لبن تلقى فيه حجارة محماة ثم يشرب، أخذ من وغرة الظهيرة، وهى أشدّ ما يكون من الحرّ؛ ومنه: وغير صدر فلان يوغر وغرا، إذا التهب من غضب أو حقد.
وقال أصحاب الأنساب: عاش المستوغر ثلاثمائة سنة وعشرين، وأدرك الإسلام أو كاد يدرك أوّله.
وقال ابن سلام: كان المستوغر قديما، وبقى بقاء طويلا حتى قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولهاوعمرت من عدد السّنين مئينا
مائة أتت من بعدها مائتان لىوازددت من عدد الشّهور سنينا
هل ما بقى إلّا كما قد فاتنايوم يكرّ وليلة تحدونا
وهو القائل:
إذا ما المرء صمّ فلم يكلّموأودى سمعه إلّا ندايا
ولاعب بالعشىّ بنى بنيهكفعل الهرّ يحترش العظايا
يلاعبهم وودّوا لو سقوهمن الذّيفان مترعة ملايا
فلا ذاق النّعيم ولا شراباولا يشفى من المرض الشّفايا
أراد بقوله: «صمّ فلم يكلم»، أى لم يسمع ما يكلّم به، فاختصر؛ ويجوز أن يريد أنّه لم يكلّم لليأس من استماعه فأعرض عن خطابه لذلك. وقوله: «وأودى سمعه إلّا ندايا» أراد أنّ سمعه هلك؛ إلّا أنه يسمع الصوت العالى الّذي ينادى به.
وأما قوله: «ولاعب بالعشىّ بنى بنيه»، فإنّه مبالغة فى وصفه بالهرم والخرف، وأنه قد تناهى إلى ملاعبة الصبيان وأنسهم به. ويشبه أن يكون خصّ العشىّ بذلك لأنّه وقت رواح الصبيان إلى بيوتهم واستقرارهم فيها.
وقوله: «يحترش العظايا» أى يصيدها، والاحتراش أن يقصد الرجل إلى جحر الضّب فيضربه بكفّه ليحسبه الضب أفعى، فيخرج إليه فيأخذه، يقال: حرشت الضّبّ، واحترشته؛ ومن أمثالهم: «هذا أجلّ من الحرش»، يضرب عند الأمر يستعظم، ويتكلم بذلك على لسان الضب. قال ابن دريد: قال الضب لابنه: اتّق الحرش، قال:
وما الحرش؟ قال: إذا سمعت حركة بباب الجحر فلا تخرج؛ فسمع يوما وقع المحفار فقال:
يا أبه، أهذا الحرش؟ فقال: «هذا أجلّ من الحرش»؛ فجعل مثلا للرجل إذا سمع الشيء الّذي هو أشدّ مما كان يتوقّعه.
والذّيفان: السّم. والعظايا: جمع عظاية، وهى دويبّة صغيرة معروفة.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع