من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار زهير بن جناب وإيراد بعض أشعاره:
ومن المعمّرين زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن ألحاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن
مالك بن حمير.
/ قال أبو حاتم: عاش زهير بن جناب مائتى سنة وعشرين سنة، وأوقع مائتى وقعة، وكان سيدا مطاعا شريفا فى قومه، ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن فى غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم- والطّبّ فى ذلك الزمان شرف- وحازى قومه- والحزاة الكهّان- وكان فارس قومه، وله البيت فيهم، والعدد منهم.
وأوصى بنيه فقال: «يا بنى، قد كبرت سنّى، وبلغت حرسا من دهرى، فأحكمتنى التجارب، والأمور تجربة واحتيال؛ فاحفظوا عنى ما أقول وعوه، إياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب، فإنّ ذلك داعية للغمّ، وشماتة للعدو، وسوء ظن بالرّب.
وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنه ما سخر قوم قطّ إلّا ابتلوا، ولكن توقّعوها، فإنما الإنسان فى الدنيا غرض تعاوره الرّماة، فمقصّر دونه ومجاوز لموضعه، وواقع عن يمينه وشماله؛ ثم لا بدّ أنّه مصيبه».
قوله: «حرسا من دهرى»، يريد طويلا منه، والحرس من الدّهر: الطويل، قال الراجز:
فى سنبة عشنا بذاك حرسا
السّنبة: المدة من الدهر. والتواكل: أن يكل القوم أمرهم إلى غيرهم، من قولهم:
رجل وكل، إذا كان لا يكفى نفسه، ويكل أمره إلى غيره؛ ويقال: رجل وكلة تكلة.
والغرض: كلّ ما نصبته للرمى. وتعاوره، أى تداوله.
قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وقد ضمّن ابن الرومىّ معنى قول زهير بن جناب:
«الإنسان فى الدهر غرض تعاوره الرماة، فمقصّر دونه ومجاوز له، وواقع عن يمينه وشماله، ولا بدّ أن يصيبه» أبياتا، فأحسن كلّ الإحسان؛ والأبيات:
كفى بسراج الشّيب فى الرّأس هاديالمن قد أضلّته المنايا لياليا
أمن بعد إبداء المشيب مقاتلىلرامى المنايا تحسبينى ناجيا
غدا الدّهر يرمينى فتدنو سهامهلشخصى أخلق أن يصبن سواديا
وكان كرامى اللّيل يرمى ولا يرىفلمّا أضاء الشّيب شخصى رمانيا
أما البيت الأخير، فإنه أبدع فيه وغرّب، وما علمت أنّه سبق إلى معناه؛ لأنّه جعل الشباب كالليل الساتر على الإنسان، الحاجز بينه وبين من أراد رميه لظلمته
والشيب مبدئا لمقاتله، هاديا إلى إصابته لضوئه وبياضه، وهذا فى نهاية حسن المعنى.
وأراد بقوله: «رمانى» أى أصابنى؛ ومثله قول الشاعر:
فلمّا رمى شخصى رميت سوادهولا بدّ أن يرمى سواد الّذي يرمى
وكان زهير بن جناب على عهد كليب وائل، ولم يكن فى العرب أنطق من زهير ولا أوجه عند الملوك، وكان لسداد رأيه يسمى كاهنا، ولم تجمع قضاعة إلّا عليه وعلى رزاح ابن ربيعة.
وسمع زهير بعض نسائه تتكلّم بما لا ينبغى لمرأة تتكلم به عند زوجها، فنهاها فقالت له: اسكت عنى وإلّا ضربتك بهذا العمود، فو الله ما كنت أراك تسمع شيئا ولا تعقله، فقال عند ذلك:
ألا لقوم لا أرى النّجم طالعاولا الشّمس إلّا حاجتى بيمينى
معزّبتى عند القفا بعمودهايكون نكيرى أن أقول ذرينى
أمينا على سرّ النّساء وربّماأكون على الأسرار غير أمين
فللموت خير من حداج موطّأمع الظّعن لا يأتى المحلّ لحينى
وهو القائل:
أبنيّ إن أهلك فقدأورثتكم مجدا بنيّة
وتركتكم أرباب سادات زنادكم وريّه
من كلّ ما نال الفتىقد نلته إلّا التّحيّة
ولقد رحلت البازل الكوماء ليس لها وليّه
وخطبت خطبة حازمغير الضّعيف ولا العييّة
فالموت خير للفتىفليهلكن وبه بقيّه
من أن يرى الشّيخ البجال وقد يهادى بالعشيّه
/ وهو القائل:
ليت شعرى والدهر ذو حدثانأىّ حين منيّتى تلقانى!
أسبات على الفراش خفاتأم بكفّى مفجّع حرّان!
وقال حين مضت له مائتا سنة من عمره:
لقد عمّرت حتى ما أبالىأحتفى فى صباحى أم مسائى!
وحقّ لمن أتت مائتان عاماعليه أن يملّ من الثّواء
قوله: «معزبتى» يعنى امرأته، يقال: معزّبة الرجل وطلّته وحنّته؛ كل ذلك امرأته.
وقوله: «أمينا على سرّ النساء»، السرّ: خلاف العلانية، والسرّ أيضا: النكاح، قال الحطيئة:
ويحرم سرّ جارهم عليهمويأكل جارهم أنف القصاع
وقال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أننىكبرت وألّا يحسن السّرّ أمثالى
وكلاء زهير يحتمل الوجهين جميعا، لأنه إذا كبر وهرم لم تهيّبه النساء أن [يتحدّثن بحضرته بأسرارهن]، تهاونا به، أو تعويلا على ثقل سمعه، وكذلك هرمه وكبره يوجبان كونه أمينا على نكاح النساء لعجزه عنه.
وقوله: «حداج موطّأ»، الحداج: مركب من مراكب النساء، والجمع أحداج وحدوج.
والظعن والأظعان: الهوادج، والظعينة المرأة فى الهودج؛ ولا تسمّى ظعينة حتى تكون فى هودج، والجمع ظعائن؛ وإنما خبّر عن هرمه، وأن موته خير من كونه مع الظّعن فى جملة النساء.
وقوله: «زنادكم وريّه»؛ الزّناد: جمع زند وزندة، وهما عودان يقدح بهما النار، وفى أحدهما فروض، وهى ثقب؛ فالتى فيها الفروض هى الأنثى، والّذي يقدح بطرفه هو الذّكر، ويسمى الزّند الأب، والزّندة الأم. وكنّى «بزنادكم وريّه» عن بلوغهم مأربهم؛ تقول العرب: وريت بك زنادى؛ أى نلت بك ما أحب من النّجح والنجاة، ويقال للرجل الكريم: وارى الزّناد.
/ فأما التحية، فهى الملك، فكأنه قال: من كلّ ما نال الفتى قد نلته إلا الملك؛ وقيل التحية هاهنا: الخلود والبقاء.
والبازل: النّاقة التى بلغت تسع سنين، فهى أشدّ ما تكون، ولفظ البازل فى الناقة والجمل سواء.
والكوماء: العظيمة السّنام. والوليّة: برذعة تطرح على ظهر البعير تلى جلده.
والبجال: الّذي يبجّله قومه ويعظّمونه. وقوله: «يهادى بالعشية»، أى يماشيه الرجال فيسندونه لضعفه. والتهادى: المشى الضعيف.
وقوله: «أسبات»، فالسّبات: سكون الحركة، ورجل مسبوت، والخفات: الضعف أيضا، يقال: خفت الرجل إذا
أصابه ضعف من مرض أو جوع.
والمفجّع: الّذي فجع بولد له أو قرابة. والحرّان: العطشان الملتهب، وهو هاهنا المحزون على قتلاه.
ومما يروى لزهير بن جناب:
إذا ما شئت أن تسلى حبيبافأكثر دونه عدد اللّيالى
فما سلّى حبيبك مثل نأىوما أبلى جديدك كابتذال
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع