من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار دريد بن زيد بن نهد وشرح ما أورده من كلامه:
وأحد المعمّرين دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن ألحاف ابن قضاعة بن مالك بن مرة بن مالك بن حمير.
قال أبو حاتم: عاش دويد بن زيد أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة قال ابن دريد:
لما حضرت دويد بن زيد الوفاة- وكان من المعمّرين، قال: ولا تعدّ العرب معمّرا إلا من عاش مائة وعشرين سنة فصاعدا- قال لبنيه: «أوصيكم بالناس شرا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوهم عثرة، قصّروا الأعنّة، وطوّلوا الأسنّة، واطعنوا شزرا، واضربوا هبرا؛ وإذا أردتم المحاجزة، فقبل المناجزة، والمرء يعجز لا المحالة، بالجدّ لا بالكدّ. التجلّد ولا التبلّد، والمنية ولا الدّنية. لا تأسوا على فائت وإن عزّ فقده، ولا تحنّوا إلى ظاعن وإن ألف قربه، ولا تطمعوا فتطبعوا، ولا تهنوا فتخرعوا، ولا يكون لكم المثل السوء؛ إنّ الموصّين بنو سهوان. إذا متّ فارحبوا خطّ مضجعى، ولا تضنّوا عليّ برحب الأرض، وما ذلك بمؤدّ إلى روحا؛ ولكن راحة نفس خامرها الإشفاق». ثم مات.
قال أبو بكر بن دريد فى حديث آخر إنه قال:
اليوم يبنى لدويد بيتهيا ربّ نهب صالح حويته
وربّ قرن بطل أرديتهوربّ غيل حسن لويته
ومعصم مخضّب ثنيتهلو كان للدّهر بلى أبليته
أو كان قرنى واحدا كفيته
ومن قوله أيضا:
/ ألقى عليّ الدهر رجلا ويداوالدّهر ما أصلح يوما أفسدا
يفسد ما أصلحه اليوم غدا
قوله: «اطعنوا شزرا، واضربوا هبرا»، معنى الشّزر أن يطعنه من إحدى ناحيتيه، يقال: فتل الحبل شزرا إذا فتله على الشمال، والنظر الشّزر: نظر بمؤخر العين؛ وقال الأصمعىّ:
نظر إلى شزرا إذا نظر إليه من عن يمينه وشماله، وطعنه شزرا كذلك.
وقوله: «هبرا»، قال ابن دريد: يقال هبرت اللحم أهبره هبرا إذا قطعته قطعا كبارا، والاسم الهبرة والهبرة، وسيف هبّار وهابر، واللحم هبير ومهبور. والمحالة:
الحيلة.
وقوله: «بالجدلا بالكدّ»؛ أى يدرك الرجل حاجته وطلبته بالجدّ، وهو الحظ والبخت، ومنه رجل مجدود، فإذا كسرت الجيم فهو الانكماش فى الأمر والمبالغة فيه.
وقوله: «التجلد ولا التبلد»؛ أى تجلّدوا ولا تتبلّدوا.
وقوله: «فتطبعوا»، أى تدنسوا، والطّبع الدنس، ويقال طبع السيف يطبع طبعا، إذا ركبه الصّدأ؛ قال ثابت قطنة العتكىّ:
لا خير فى طمع يدنى إلى طبعوغفّة من قوام العيش تكفينى
وقوله: «ولا تهنوا فتخرعوا»؛ فالوهن الضّعف، والخرع والخراعة: اللين، ومنه سميت الشجرة الخروع للينها، وقوله: «إنّ الموصّين بنو سهوان»؛ فالموصون جمع موصّى، وبنو سهوان ضربه مثلا، أى لا تكونوا ممن تقدّم إليهم فسهوا وأعرضوا عن الوصية، وقالوا: إنه يضرب هذا المثل للرجل الموثوق به ذمة؛ ومعناه أن الذين يحتاجون أن يوصّوا بحوائج إخوانهم هم الذين يسهون عنه لقلة عنايتهم؛ وأنت غير غافل ولا ساه عن حاجتى.
وقوله: «فارحبوا»؛ أى أوسعوا، والرّحب السعة، والرّوح: الراحة.
وقوله فى الشعر: «ورب غيل»؛ فالغيل الساعد الممتلئ. والمعصم: موضع السّوار من اليد.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع