من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل خبر [لو كان القرآن فى إهاب ما مسّته النار
.:]
روى عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «لو كان القرآن فى إهاب ما مسّته النار».
وقد ذكر متأوّلو حديث النبي صلى الله عليه وآله فى هذا الخبر وجوها كثيرة، كلّها غير صحيح ولا شاف، وأنا أذكر ما اعتمدوه، وأبيّن ما فيه، ثم أذكر الوجه الصحيح.
قال ابن قتيبة: ذهب الأصمعىّ إلى أنّ من تعلّم القرآن من المسلمين لو ألقى فى النار لم تحرقه، فكنّى بالإهاب- وهو الجلد- عن الشخص والجسم؛ واحتجّ على تأويله هذا [الحديث بما روى عن سليمان] بن محمد قال: سمعت أبا أمامة يقول: اقرءوا القرآن ولا تغرّنكم هذه المصاحف المعلّقة؛ فإن الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن.
قال ابن قتيبة: وفى الحديث تأويل آخر، وهو أنّ القرآن لو كتب فى جلد، ثم ألقى فى النار على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لم تحرقه النار؛ على وجه الدّلالة على صحة أمر النبي عليه وآله السلام، ثم انقطع ذلك بعده، قال: وجرى هذا مجرى كلام الذئب وشكاية البعير وغير ذلك من آياته ﵇.
قال: وفيه تأويل ثالث؛ وهو أن يكون الإحراق إنما نفى عن القرآن لا عن الإهاب؛ ويكون معنى الحديث: لو جعل القرآن فى إهاب ثم ألقى فى النار ما احترق القرآن؛
فكأن النار تحرق الجلد والمداد ولا تحرق القرآن؛ لأنّ الله تعالى ينسخه ويرفعه من الجلد، صيانة له عن الإحراق.
وقال أبو بكر/ محمد بن القاسم الأنبارىّ ردا على ابن قتيبة، ومعترضا عليه: اعتبرت ما قاله ابن قتيبة من ذلك كلّه، فما وجدت فيه شيئا صحيحا.
أما قوله الأول فيردّه ما روى عنه ﵇ من قوله: يخرج من النار قوم بعد ما يحرقون فيها فيقال: هؤلاء الجهنّميون طلقاء الله ﷿». قال: وقد روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إذ دخل أهل الجنة
الجنة، وأهل النار النار قال الله ﷿: انظروا من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه منها»؛ قال أبو بكر: وكيف يصحّ قول ابن قتيبة فى زعمه أن النار لا تحرق من قرأ القرآن؛ ولا خلاف بين المسلمين أنّ الخوارج وغيرهم ممّن يلحد فى دين الله تعالى ويقرأ القرآن أن تحرقهم النار بغير شكّ؛ واحتجاجه بخبر أبى أمامة: «إنّ الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن» معناه:
قرأ القرآن وعمل به؛ فأما من حفظ ألفاظه وضيّع حدوده؛ فإنه غير واع له.
قال: فأما قوله إنه من دلائل النبوّة التى انقطعت بعده، فما روى هذا الحديث أحد أنه كان فى دلائله ﵇؛ ولو أراد ذلك دليلا لكان صلى الله عليه وآله يجعل القرآن فى إهاب ثم يلقيه فى النار فلا يحترق قال: وقول ابن قتيبة الثالث: «لاحترق الجلد والمداد، ولم يحترق القرآن» غير صحيح؛ لأن الّذي يصحّح هذا القول يوجب أنّ القرآن غير المكتوب؛ وهذا محال؛ لأن المكتوب فى المصحف هو القرآن. والدليل على هذا قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ؛، ومنه الحديث: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو»؛ وإنما يريد المصحف.
قال أبو بكر: والقول عندنا فى تأويل هذا الحديث أنه أراد: لو كان القرآن فى جلد
ثم ألقى فى النار ما أبطلته؛ لأنها وإن أحرقته فإنها لا تدرسه؛ إذ كان الله قد ضمّنه قلوب الأخيار من عباده؛ والدليل على هذا قول الله تعالى للنبى صلى الله عليه وآله فيما روى عنه:
إنى منزّل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان؛ فلم يرد تعالى أن القرآن لو كتب فى شيء ثم غسل بالماء لم ينغسل؛ وإنما أراد أنّ الماء لا يبطله ولا يدرسه إذا كانت القلوب تعيه وتحفظه.
قال: ومثل هذا كثير فى كتاب الله تعالى وفى لغة العرب؛ قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا/ وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً؛، فهم قد كتموا الله تعالى لمّا قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ، وإنما أراد تعالى؛ ولا يكتمون الله حديثا فى حقيقة الأمر؛ لأنهم وإن كتموه فى الظاهر فالذى كتموه غير مستتر عنه.
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: والوجه الصحيح فى تأويل الخبر غير ما توهّمه ابن قتيبة وابن
الأنبارىّ جميعا، وهو أن هذا من كلام النبىّ صلى الله عليه وآله على طريق المثل والمبالغة فى تعظيم شأن القرآن والإخبار عن جلالة قدره وعظم خطره، والمعنى أنه لو كتب فى إهاب، وألقى فى النار وكانت النار مما لا تحرق شيئا لعلوّ شأنه وجلالة قدره لم تحرقه النار.
ولهذا نظائر فى القرآن وكلام العرب وأمثالهم كثيرة ظاهرة على من له أدنى أنس بمذاهبهم، وتصرّف كلامهم.
فمن ذلك قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ؛.
ومعنى الكلام: إنّنا لو أنزلنا القرآن على جبل، وكان الجبل مما يتصدّع إشفاقا من شيء؛ أو خشية لأمر لتصدّع مع صلابته وقوّته؛ فكيف بكم يا معاشر المكلّفين، مع ضعفكم وقلّتكم! وأنتم أولى بالخشية والإشفاق؛ وقد صرح الله تعالى بأنّ الكلام خرج مخرج
المثل بقوله: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ؛ ومثله قوله تعالى:
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا؛.
ومثله قول الشاعر:
أما وجلال الله لو تذكريننىكذكراك ما نهنهت للعين مدمعا
فقالت: بلى والله ذكرا لو انّهتضمّنه صمّ الصّفا لتصدّعا
ومثله:
فلو أنّ ما بى بالحصى فلق الحصىوبالرّيح لم يسمع لهنّ هبوب
ومثله:
وقفت على ربع لميّة ناقتىفما زلت أبكى عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّهتكلّمنى أحجاره وملاعبه
وهذه طريقة للعرب مشهورة فى المبالغة؛ يقولون: هذا كلام يفلّق الصّخر، ويهدّ الجبال/ ويصرع الطير، ويستنزل الوعول؛ وليس ذلك بكذب منهم؛ بل المعنى أنّه لحسنه وحلاوته وبلاغته يفعل مثل هذه الأمور لو تأتت؛ ولو كانت مما يسهل ويتيسر لشيء من الأشياء لتسهّلت به من أجله.
فأما الجواب الأوّل المحكىّ عن ابن قتيبة فالذى يفسده زائدا على ما ردّه ابن الأنبارىّ أنه لو كان الامر على ما ذكره ابن قتيبة وحكاه عن الأصمعىّ لكان النبي صلى الله عليه وآله قد أغرانا بالذّنوب؛ لأنه إذا أمن حافظ القرآن
ومتعلّمه من النار والعذاب فيها ركن
المكلّفون إلى تعلّم القرآن والإقدام على القبائح آمنين غير خائفين؛ وهذا لا يجوز عليه صلى الله عليه وآله والمعنى فى قول أبى أمامة أن الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن على نحو ما ذكره ابن الأنبارىّ.
فأما جواب ابن قتيبة الثانى، فمن أين له أن ذلك مختص بزمانه صلى الله عليه وآله، وليس فى اللفظ ولا فى غيره دلالة عليه! وأقوى ما يبطله أنّه لو كان كما ذكر لما جاز أن يخفى على جماعة المسلمين الذين رووا جميع معجزاته عليه وآله السلام وضبطوها. وفى وجداننا من روى ذلك وجمعه وعنى به غير عارف بهذه الدّلالة والآية إبطال لما توهمه.
فأما جوابه الثالث فباطل؛ لأنّ القرآن فى الحقيقة ليس يحلّ الجلد، ولا يكون فيه حتى ينسب الاحتراق إلى الجلد دونه؛ وإذا كان الأمر على هذا لم يكن فى قوله: إن الإهاب هو المحترق دون القرآن فائدة؛ لأنّ هذه سبيل كلّ كلام كتب فى إهاب أو غيره إذا احترق الإهاب لم يضف الاحتراق إلى الكلام لاستحالة هذه القضيّة عليه.
ومن عجيب الأمور قول ابن الأنبارىّ: «وهذا يوجب أنّ القرآن غير المكتوب»؛ لأنّ كلام ابن قتيبة ليس يوجب ما ظنّه؛ بل يوجب ضده من أن المكتوب هو القرآن؛ ولهذا علّق الإحراق بالكتابة والجلد دون المكتوب؛ الّذي هو القرآن؛ وإذا كان المكتوب فى المصحف هو القرآن على ما اقترح ابن الأنبارىّ، فما المانع من قول ابن قتيبة أنّ الجلد يحترق دونه؟ لأن أحدا لا يقول إن الجلد هو القرآن؛ وإنما يقول قوم إنه مكتوب فيه؛ وإذا كان غيره لم يمتنع إضافة الاحتراق إلى أحدهما/ دون الآخر؛ وهذا كله تخليط من الرجلين؛ لأن القرآن غير حالّ فى الجلد على
الحقيقة؛ وليست الكتابة غير المكتوب؛ وإنما الكتابة أمارة للحروف؛ فأمّا أن تكون هى الكلام على الحقيقة أو يوجد معها الكلام مكتوبا فمحال.
فأما استشهاده على ذلك بالآية وبقوله: «لا تسافروا بالقرآن» فذلك تجوّز وتوسّع،
وليس يجب أن يجعل إطلاق الألفاظ المحتملة دليلا على إثبات الأحكام والمعانى، ومعترضة على أدلّة العقول؛ وقد تجوّز القوم بأكثر من هذا فقالوا: فى هذا الكتاب شعر امرئ القيس وعلم الشافعىّ وفقه فلان، ولم يقتض ذلك أن يكون العلم والكلام على الحقيقة موجودين فى الدفتر. وقد بيّن الكلام، فى هذا الباب فى مواضع هى أولى به.
فأما جواب ابن الأنبارىّ الّذي ارتضاه لنفسه، فلا طائل أيضا فيه، لأنه لا مزيّة للقرآن فيما ذكره على كل كلام وشعر فى العالم، لأنّا نعلم أنّ الشعر والكلام المحفوظ فى صدور الرجال إذا كتب فى جلد ثم أحرق أو غسل لم يذهب ما فى الصدور. منه؛ بل يكون ثابتا بحاله، فأىّ مزيّة للقرآن فى هذا على غيره؟ وأىّ فضيلة؟ فإن قال: وجه المزيّة أنّ غير القرآن من الشعر وغيره يمكن أن يندرس ويبطل بإحراق النار؛ والقرآن إذا كان هو تعالى هو المتولّى لإيداعه الصدور لا يتم ذلك فيه؟
قلنا: الكل سواء لأن غير القرآن إنما يبطل باحتراق الإهاب المكتوب فيه متى لم يكن محفوظا مودعا للصدور، ومتى كان بهذا الصفة لم يبطل باحتراق الجلد؛ وهكذا القرآن لو لم يحفظ فى الصدور لبطل بالاحتراق؛ ولكنه لا يبطل بهذا الشرط؛ فصار الشرط فى بطلان غير القرآن وثباته كالشّرط فى بطلان القرآن وإثباته، فلا مزيّة على هذا الجواب للقرآن فيما خصّ به من أنّ النار لا تمسّه، وهذا يبيّن أنه لا وجه غير ما ذكرناه فى الخبر؛ وهو أشبه بمذاهب العرب وأولى بتفضيل القرآن وتعظيمه.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع