تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن يوسف ﵇: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ،.

فقال: إذا كانت المحبة عندكم هى الإرادة، فهذا تصريح من يوسف ﵇ بإرادة المعصية؛ لأن حبسه فى السجن، وقطعه عن التصرف معصية من فاعله؛ وقبيح من المقدم عليه؛ وهو فى القبح يجرى مجرى ما دعى إليه من الزنا. وقوله من بعد: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ يدل على أنّ امتناعه من القبيح [مشروط بمنعهنّ وصرفهنّ] عن كيده؛ وهذا بخلاف مذهبكم، لأنكم تذهبون إلى أنّ ذلك لا يقع منه؛ صرف النّسوة عن كيده، أو لم يصرفهنّ.

الجواب، قلنا: أما قوله: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ففيه وجهان من التأويل:

أولهما أنّ المحبّة متعلقة فى ظاهر الكلام بما لا يصحّ فى الحقيقة أن يكون محبوبا مرادا؛ لأنّ السجن إنما هو الجسم، والأجسام لا يجوز أن يريدها؛ وإنما يريد الفعل فيها، أو المتعلّق بها؛ والسجن نفسه ليس/ بطاعة ولا معصية، وإنما الأفعال فيه قد تكون طاعات ومعاصى بحسب الوجوه التى يقع عليها؛ وإدخال القوم يوسف ﵇ الحبس، أو إكراههم له على دخوله معصية منهم؛ وكونه فيه وصبره على ملازمته، والمشاقّ التى تناله باستيطانه طاعة منه وقربة، وقد علمنا أنّ ظالما لو أكره مؤمنا على ملازمة بعض المواضع، وترك

التصرّف فى غيره لكان فعل المكره حسنا، وإن كان فعل المكره قبيحا. وهذه الجملة تبيّن ألّا ظاهر فى الآية يقتضي ما عنده؛ وأنه لا بدّ من تقدير محذوف يتعلق بالسّجن؛ وليس لهم أن يقدّروا ما يرجع إلى الحابس من الأفعال؛ إلّا ولنا أن نقدّر ما يرجع إلى المحبوس؛ وإذا احتمل الكلام الأمرين، ودلّ الدليل على أنّ النبىّ ﵇ لا يجوز أن يريد المعاصى والقبائح اختصّ المحذوف المقدّر بما يرجع إليه مما ذكرناه، وذلك طاعة لا لوم على مريده ومحبّه.

فإن قيل: كيف يجوز أن يقول: السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وهو لا يحبّ ما دعوه جملة؛ ومن شأن هذه اللفظة أن تدخل بين ما وقع فيه اشتراك فى معناها؛ وإن فضّل البعض على البعض؟

قلنا: قد تستعمل هذه اللفظة فى مثل هذا الموضع؛ وإن لم يكن فى معناها اشتراك على الحقيقة، ألا ترى أنّ من

خيّر بين ما يحبه وما يكرهه جائز أن يقول: هذا أحبّ إلى من هذا، وإن لم يجز مبتدئا أن يقول من غير أن يخيّر: هذا أحبّ إلى من هذا، إذا كان لا يحبّ أحدهما جملة!

وإنما يسوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر؛ من حيث كان المخيّر بين الشيئين لا يخيّر بينهما إلّا وهما مرادان له، أو مما يصحّ أن يريدهما، فموضوع التخيير يقتضي ذلك، وإن حصل فيما ليس هذه صفته، والمجيب على هذا متى قال: كذا أحبّ إلى من كذا كان مجيبا على ما يقتضيه موضوع التخيير، وإن لم يكن الأمران يشتركان فى تناول محبته.

وما يقارب ذلك قوله تعالى: قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ؛، ونحن نعلم ألّا خير فى العقاب؛ وإنما حسن ذلك لوقوعه موقع التوبيخ والتقريع على اختيار

المعاصى على الطاعات، وأنهم ما ركبوا المعاصى وآثروها على الطاعات إلّا لاعتقادهم أنّ فيها خيرا/ ونفعا، فقيل: أذلك خير على ما تظنونه وتعتقدونه، أم كذا وكذا؟

وقد قال قوم فى قوله تعالى: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ إنما حسن ذلك لاشتراك الحالين فى باب المنزلة، وإن لم يشتركا فى الخير والنفع، كما قال تعالى: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا؛، ومثل هذا يتأتّى فى قوله تعالى: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ لأنّ الأمرين- يعنى المعصية ودخول السجن- مشتركان فى أنّ لكل منهما داعيا، وعليه باعثا، وإن لم يشتركا فى تناول المحبة، فجعل اشتراكهما فى داعى المحبة اشتراكا فى المحبة نفسها وأجرى اللّفظ على ذلك.

ومن قرأ هذه الآية بفتح السين فالتأويل أيضا ما ذكرناه؛ لأن «السّجن» المصدر، فيحتمل أن يريد: أنّ سجنى لهم نفسى، وصبرى على حبسهم أحبّ إلى من مواقعة المعصية؛ ولا يرجع بالسجن إلى فعلهم بل إلى فعله.

والوجه الثانى أن يكون معنى أَحَبُّ إِلى أى أهون عندى وأسهل عليّ؛ وهذا كما يقال لأحدنا فى الأمرين يكرههما معا: إن فعلت كذا وإلا فعل بك كذا وكذا؛ فيقول: بل كذا أحبّ إلى، أى بمعنى أسهل وأخفّ، وإن كان لا يريد واحدا منهما؛ وعلى هذا الجواب لا يمتنع أن يكون إنما عنى فعلهم به دون فعله، لأنه لم يخبر عن نفسه بالمحبة التى هى

الإرادة؛ وإنما وضع أَحَبُّ موضع أخف، والمعصية قد تكون أهون وأخفّ من أخرى.

وأما قوله: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ فليس المعنى فيه على ما ظنّه السائل؛ بل المراد: متى لم تلطف لى ممّا يدعونى إلى مجانبة المعصية، ويثنينى إلى تركها ومفارقتها صبوت؛ وهذا منه ﵇ على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى، والتسليم لأمره، وأنه لولا معونته ولطفه ما نجا من كيدهنّ؛ ولا شبهة فى أن النبىّ ﵇ إنما يكون

معصوما من القبائح بعصمة الله تعالى له وبلطفه وتوفيقه.

فإن قيل: الظاهر خلاف ذلك لأنه قال: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ فيجب أن يكون المراد ما يمنعهم من الكيد ويرفعه؛ والّذي ذكرتموه من انصرافه عن المعصية لا يقتضي ارتفاع الكيد والانصراف عنه.

قلنا: معنى الكلام: وإلا تصرف/ عنى ضرر كيدهنّ والغرض به؛ لأنهنّ إنما أجرين بكيدهنّ إلى مساعدته لهنّ على المعصية، فإذا عصم منها ولطف له فى الانصراف عنها؛ فكأنّ الكيد قد انصرف عنه ولم يقع به، من حيث لم يقع ضرره وما أجرى به إليه، ولهذا يقال لمن أجرى بكلامه إلى غرض لم يقع: ما قلت شيئا، ولمن فعل ما لا تأثير له: ما فعلت شيئا، وهذا بيّن بحمد الله ومنّه.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٣٥)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.