تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [: «من يتّبع المشمعة يشمّع الله به»]

إن سأل سائل عن تأويل الخبر الّذي يرويه عقبة بن عامر أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال فى خطبة طويلة خطبها: «من يتّبع المشمعة يشمّع الله به».

والجواب، إن المشمعة هى الضّحك والمزاح واللعب، يقال: شمع الرّجل يشمع شموعا، وامرأة شموع إذا كانت كثيرة المزاح والضّحك: قال أبو ذؤيب يصف الحمير:

بقرار قيعان سقاها وابلواه فأثجم برهة لا يقلع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»
فلبثن حينا يعتلجن بروضةفيجدّ حينا فى العلاج ويشمع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

أراد أنّ هذا الحمار الّذي وصف حاله مع الأتن، وأنه معهنّ فى بعض القيعان يعارك هذه الأتن.

ومعنى «يعتلجن» يعاضّ بعضها بعضا، ويترامحن من النشاط فيجدّ الفحل معهنّ مرّة، وأخرى يأخذ معهنّ فى اللعب فيشمع، وفى يجدّ لغتان: يجد ويجدّ، والمفتوح لغة هذيل؛ ويقال فلان جادّ مجدّ على اللغتين معا.

وقيل إن معنى يشمع الحمار أنه يتشمّع، ثم يرفع رأسه فيكشّر عن أسنانه، فجعل ذلك بمنزلة الضحك، قال الشّماخ:

ولو أنّى أشاء كننت نفسىإلى لبّات بهكنة شموع
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «أعائش ما لأهلك لا أراهم»

وقال المتنخل الهذلىّ:

ولا والله نادى الحىّ ضيفىهدوءا بالمساءة والعلاط
سأبدؤهم بمشمعة وأثنىبجهدى من طعام أو بساط
للشاعر المتنخل، من قصيدة «عرفت بأجدث فنعاف عرق»

أراد بقوله «نادى الحىّ ضيفى» أى لا ينادونه، من النداء بالسوء والمكروه ولا يتلقونه بما لا يؤثر/. والعلاط: من أعلطه واعتلط به؛ إذا خاصمه وشاغبه ووسمه بالشر؛ وأصله من علاط البعير، وهو وسم فى عنقه.

وقيل إن معنى «نادى الحىّ» من النادى؛ أى لا يجالسونه بالمكروه والسوء.

ومعنى «سأبدؤهم بمشمعة» أى بلعب وضحك، لأن ذلك من علامات الكرم والسرور بالضيف، والقصد إلى إيناسه وبسطه، ومنه قول الآخر:

وربّ ضيف طرق الحىّ سرىصادف زادا وحديثا ما اشتهى
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «إنك يا ابن جعفر نعم الفتى»

إنّ الحديث جانب من القرى

وروى الأصمعىّ عن خلف الأحمر قال: سنّة الأعراب أنهم إذا حدّثوا الرجل الغريب

وهشّوا إليه ومازحوه أيقن بالقرى، وإذا أعرضوا عنه عرف الحرمان.

ومعنى: «أثنى بجهدى من طعام أو بساط»، أى أتبع ذلك بهذا.

ومعنى الخبر على هذا أنّ من كان من شأنه العبث بالناس والاستهزاء بهم، والضحك منهم أصاره الله تعالى إلى حالة يعبث به فيها، ويستهزئ أمنه.

ويقارب هذا الحديث من وجه حديث آخر؛ وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله: «من يسمّع الناس بعمله يسمّع الله به»؛ والمعنى: من يرائى بأعماله ويظهرها تقربا إلى الناس واتخاذا للمنازل عندهم؛ يشهره الله بالرياء ويفضحه ويهتكه.

ويمكن أيضا فى الخبر الأول وجه آخر لم يذكر فيه؛ وهو أن من عادة العرب أن يسمّوا الجزاء على الشيء باسمه؛ ولذلك نظائر فى القرآن وأشعار العرب كثيرة مشهورة، فلا ينكر أن يكون المعنى: من يتّبع اللهو بالناس، والاستهزاء بهم يعاقبه الله تعالى على ذلك ويجازيه؛ فسمى الجزاء على الفعل باسمه؛ وهذا الوجه أيضا ممكن فى الخبر الثانى.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٣٥)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.