من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
خبر الأصمعىّ مع عجوز فى سوق ضريّة حينما أنشدها شعر بشر بن عبد الرحمن:
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبد الرحمن بن أخى الأصمعى عن عمه قال: إنى لفى سوق ضريّة، وقد نزلت على رجل من بنى كلاب كان متزوجا بالبصرة، وكان له ابن بضريّة، إذ أقبلت عجوز على ناقة لها، حسنة البزّة، فيها بقايا جمال، فأناخت/ وعقلت ناقتها، وأقبلت تتوكّأ على محجن لها فجلست قريبا منّا، وقالت: هل من منشد؟ فقلت للكلابىّ: أيحضرك شيء؟ قال: لا، قال: فأنشدتها شعر البشر بن عبد الرحمن الأنصارىّ:
وقصيرة الأيام ودّ جليسهالو باع مجلسها بفقد حميم
[من محذيات أخى الهوى غصص الجوى]بدلال غانية ومقلة ريم
صفراء من بقر الجواء كأنماخفر الحياء بها رداع سقيم
قال: فجثت على ركبتيها وأقبلت تحرش الأرض بمحجنها، وأنشأت تقول:
قفى يا أميم القلب نقرأ تحيّةونشك الهوى، ثم افعلى ما بدا لك
فلو قلت: طأ في النار أعلم أنّههوى لك، أو مدن لنا من وصالك
لقدّمت رجلى نحوها فوطئتها [هدى منك لى، أو ضلّة من ضلالك]
[سلى البانة العليا من الأجرع] الّذيبه البان: [هل حيّيت أطلال دارك]
وهل قمت فى أطلالهنّ عشيّة [مقام سقيم القلب]، واخترت ذلك
ليهنئك إمساكى بكفّى على الحشاورقراق عينى رهبة من زيالك
قال الأصمعىّ: فأظلمت والله عليّ الدنيا بحلاوة منطقها، وفصاحة لهجتها؛ فدنوت منها فقلت: نشدتك الله لما زوّدتنى من هذا! فرأيت الضحك فى عينها، وأنشدت:
ومستخفيات ليس يخفين زرننايسحّبن أذيال الصّبابة والشّكل
جمعن الهوى حتّى إذا ما ملكنهنزعن، وقد أكثرن فينا من القتل
مريضات رجع القول خرس عن الخنا
تألّفن أهواء القلوب بلا بذل
موارق من ختل المحبّ، عواطفبختل ذوى الألباب بالجدّ والهزل
يعنّفنى العذّال فيهنّ، والهوىيحذّرنى من أن أطيع ذوى العذل
أما قول الأنصارى «وقصيرة الأيام» فأراد بذلك أنّ السرور يتكامل بحضورها لحسنها/ وطيب حديثها فتقصر أيام جليسها، لأن أيام السرور وموصوفة بالقصر.
ويمكن أن يريد بقصيرة الأيام أيضا حداثة سنّها وقرب عهد مولدها؛ وإن كان الأول أشبه بما أتى فى آخر البيت.
ومعنى:
لو باع مجلسها بفقد حميم
أى ابتاعه، وهذا اللفظ من الأضداد؛ لأنه يستعمل فى البائع والمشترى معا، قال الفراء:
سمعت أعرابيا يقول: بع لى تمرا بدرهم، أى اشتر لي تمرا بدرهم، وقال الشاعر:
فيا عزّ ليت النأى إذ حال بينناوبينك باع الودّ لى منك تاجر
أى ابتاع.
وقوله: «من محذيات أخى الهوى» أى من معطيات، يقال: أحذيت الرجل من العطية والغنيمة أحذيه إذا أعطيته، والاسم الحذيّة والحذوة والحذيا؛ كل ذلك العطية.
وقوله:
كأنما خفر الحياء بها رداع سقيم
فالرّداع هو الوجع فى الجسد؛ فكأنه أراد أنها منقبضة منكسرة من الحياء كالسقيم، أو يريد تغيّر لونها وصفرتها كما يتغير لون السقيم؛ ويجرى ذلك مجرى قول ليلى الأخيلية:
ومخرّق عنه القميص تخالهبين البيوت من الحياء سقيما
أخبرنا المرزبانىّ قال حدّثنا أبو عبد الله الحكيمىّ قال حدثنى ميمون بن هارون الكاتب قال: حدثنا ابن أخى الأصمعىّ عن عمه قال: لقيت أعرابيا بالبادية فاسترشدته إلى مكان، فأرشدنى وأنشدنى:
ليس العمى طول السّؤال وإنماتمام العمى طول السّكوت على الجهل
ثم رجعت إلى البصرة فمكثت بها حينا، ثم قدمت البادية، فإذا بالأعرابىّ جالسا بين ظهرانى قوم؛ وهو يقضى بينهم، فما رأيت قضية أخطأت قضية الصالحين من قضيّته؛ فجلست إليه، فقلت: يرحمك! الله أما من رشوة؟ أما من هدية؟ أما من صلة؟ فقال: لا إذا جاء هذا ذهب التوفيق؛ فشكوت إليه ما ألقى من عذل حليلة لى إياى فى طلب المعيشة، فقال: لست فيها بأوحد، وإنى لشريكك، ولقد قلت فى ذلك شعرا، فقلت: أنشدنيه، فأنشدنى:
/ باتت تعيّرنى الإقتار والعدمالمّا رأت لأخيها المال والخدما
عنف لرأيك! ما الأرزاق من جلد،ولا من العجز؛ بل مقسومة قسما
يا أمة الله إنّى لم أدع طلباللرّزق- قد تعلمين- الشّرق والشأما
وكلّ ذلك بالإجمال فى طلبلم أرد عرضا، ولم أسفك لذاك دما
لو كان من جلد ذا المال أو أدبلكنت أكثر من نمل القرى نعما
ارضى من العيش ما لم تحوجى معهأن تفتحى لسؤال الأغنياء فما
واستشعرى الصّبر علّ الله خالقنايوما سيكشف عنّا الفقر والعدما
لا تحوجينى إلى ما لو بذلت لهنفسى لأعقبك التّهمام والنّدما
بالله سرّك أنّ الله خوّلنىما كان خوّله الأعراب والعجما
ما سرّنى أنّنى خوّلت ذاك ولاألّا أقول لباغى حاجة نعما
وأننى لم أحز عقلا ولا أدباولم أرث والدى مجدا ولا كرما
فعسرة المرء أحرى فى معاشك منأمر يجرّ عليك الهمّ والألما
قال: فو الله ما أنشدتها حتى حلفت ألّا تعذلنى أبدا.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع