تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً؛.

فقال: ما معنى أَوْ هاهنا؟ أو ظاهرها يفيد الشك الّذي لا يجوز عليه تعالى.

الجواب، قلنا فى ذلك وجوه:

أوّلها أن تكون أَوْ هاهنا للإباحة كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ والق الفقهاء أو المحدّثين، ولم يريدوا الشك؛ بل كأنهم قالوا: هذان الرجلان أهل للمجالسة، وهذان القبيلان أهل للّقاء؛ فإن جالست الحسن فأنت مصيب، وإن جالست ابن سيرين فأنت مصيب، وإن جمعت بينهما فكذلك.

فيكون معنى الآية على هذا: إن قلوب هؤلاء قاسية متجافية عن الرّشد والخير، فإن شبّهتم قسوتها بالحجارة أصبتم، وإن شبّهتموها بما هو أشدّ أصبتم، وإن شبهتموها بالجميع فكذلك.

وعلى هذا يتأوّل قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ؛، لأن أَوْ لم يرد بها الشكّ بل على نحو الّذي ذكرناه/، من أنكم إن شبهتموهم بالذى استوقد نارا فجائز، وإن شبهتموهم بأصحاب الصيّب فجائز، وإن شبهتموهم بالجميع فكذلك.

وثانيها أن تكون أَوْ دخلت للتفصيل والتمييز، ويكون معنى الآية: إن قلوبهم قست، فبعضها ما هو كالحجارة فى القسوة، وبعضها ما هو أشد قسوة منها.

ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا؛ معناه: وقال بعضهم: كونوا هودا- وهم اليهود- وقال بعضهم: كونوا نصارى وهم النصارى- فدخلت أَوْ للتفصيل.

وكذلك قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ معناه فجاء بعض أهلها بأسنا بياتا، وجاء بعض أهلها بأسنا فى وقت القيلولة.

وقد يحتمل قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ هذا الوجه أيضا، ويكون المعنى أن بعضهم يشبه الّذي استوقد نارا، وبعضهم يشبه أصحاب الصيب.

وثالثها أن يكون أَوْ دخلت على سبيل الإبهام فيما يرجع إلى المخاطب، وإن كان الله تعالى عالما بذلك غير شاك فيه، لأنه تعالى لم يقصد فى إخبارهم عن ذلك إلا التفصيل؛ بل علم ﷿ أن خطابهم بالإجمال أبلغ فى

مصلحتهم، فأخبر تعالى أنّ قسوة قلوب هؤلاء الذين ذمّهم كالحجارة أو أشد قسوة، والمعنى أنها كانت كأحد هذين لا يخرج عنهما.

ويجرى ذلك مجرى قولهم: ما أطعمتك إلا حلوا أو حامضا، فيبهمون على المخاطب ما يعلمون أنه لا فائدة فى تفصيله؛ والمعنى: ما أطعمتك إلا أحد هذين الضّربين.

وكذلك يقول أحدهم: أكلت بسرة أو ثمرة؛ وهو قد علم ما أكل على التفصيل إلا أنه أبهمه على المخاطب، قال لبيد:

تمنّى ابنتاى أن يعيش أبوهماوهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»

أراد: هل أنا إلّا من أحد هذين الجنسين، فسبيلى أن أفنى كما فنيا؛ وإنما حسن ذلك لأن قصده الّذي أجرى إليه، وغرضه الّذي نحاه وهو أن يخبر بكونه ممن يموت ويفنى، ولا يخلّ به إجمال ما أجمل من كلامه، فأضرب عن التفصيل؛ لأنه لا فائدة فيه، ولأنه سواء

كان من ربيعة أو مضر فموته واجب. وكذلك الآية، لأن الغرض فيها أن يخبر تعالى عن شدة قسوة/ قلوبهم، وأنها مما لا تنثنى لوعظ، ولا تصغى إلى حق، فسواء كانت فى القسوة كالحجارة أو أشد منها، فقد تم ما أجرى إليه من الغرض فى وصفها وذمّها، وصار تفصيل تشبيهها بالحجارة وبما هو أشد قسوة منها كتفصيل كونه من ربيعة أو مضر؛ فى أنه غير محتاج إليه، ولا يقتضيه الغرض فى الكلام.

ورابعها أن تكون أَوْ بمعنى «بل» كقوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ معناه: بل يزيدون.

وروى عن ابن عباس فى قوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ؛ قال: كانوا مائة ألف وبضعا وأربعين ألفا. وأنشد الفراء:

بدت مثل قرن الشمس فى رونق الضّحاوصورتها، أو أنت فى العين أملح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى»

وقد تكون «أم» فى الاستفهام أيضا بمعنى «بل»، كقول القائل: أضربت عبد الله أم أنت رجل متعنت؟ معناه: بل أنت رجل متعنت.

وقال الشاعر:

فو الله ما أدرى أسلمى تغوّلت،أم النّوم، أم كلّ إلى حبيب!

معناه: بل كلّ.

وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: وكيف يجوز أن يخاطبنا تعالى بلفظة بل؛ وهى تقتضى الاستدراك والنقض للكلام الماضى والإضراب عنه، وليس ذلك بشيء.

أما الاستدراك فإن أريد به الاستفادة أو التذكر لما لم يكن معلوما فليس بصحيح، لأن

أحدنا قد يقول: أعطيته ألفا بل ألفين، وقصدته دفعة بل دفعتين؛ وهو عالم فى ابتداء كلامه بما أخبر به فى الثانى، ولم يتجدد به علم، وإن أريد به الأخذ فى كلام غير الماضى، واستئناف زيادة عليه فهو صحيح؛ ومثله جائز عليه تعالى.

فأما النقض للكلام الماضى فليس بواجب فى كل موضع تستعمل فيه لفظة «بل»، لأن القائل إذا قال: أعطيته ألفا بل ألفين لم ينقض الأول؛ وكيف ينقضه؛ والأول داخل فى الثانى وإنما زاد عليه! وإنما يكون ناقضا للماضى إذا قال: لقيت رجلا بل حمارا؛ وأعطيته درهما بل ثوبا؛ لأن الأول لم يدخل فى الثانى على وجه، وقوله تعالى: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً غير ناقض للأول، لأنها لا تزيد فى القسوة على الحجارة إلا بعد أن تساويها، وإنما/ تزيد المساواة.

وخامسها أن تكون أَوْ بمعنى الواو كقوله: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ؛، معناه: وبيوت آبائكم، قال جرير:

نال الخلافة أو كانت له قدراكما أتى ربّه موسى على قدر

وقال توبة بن الحمير:

وقد زعمت ليلى بأنّى فاجرلنفسى تقاها، أو عليها فجورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

وقال جرير أيضا:

أثعلبة الفوارس أم رياحاعدلت بهم طهيّة والخشابا

أراد: أو رياحا.

وقال آخر:

فلو كان البكاء يردّ شيئابكيت على بجير أو عفاق
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
على المرأين إذ هلكا جميعالشأنهما بشجو واشتياق
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

أراد على بجير وعفاق.

وقد حكى المفضل بن سلمة هذا الوجه عن قطرب، وطعن عليه بأن قال: ليس شيء يعلم أشدّ قسوة عند المخاطبين من الحجارة، فينسق به عليها؛ وإنما يصح ذلك فى قولهم:

أطعمتك تمرا أو أحلى منه، لأن أحلى منه معلوم.

واختار المفضل الوجه الّذي يتضمن أن أَوْ بمعنى «بل».

وهذا الّذي طعن به المفضّل ليس بشيء، لأنهم وإن لم يشاهدوا أو يعرفوا ما هو أشدّ قسوة من الحجارة فصورة قسوة الحجارة معلومة لهم، ويصحّ أن يتصوروا ما هو أشد قسوة منها، وما له الزيادة عليها؛ لأن قدرا ما إذا عرف صح أن يعرف ما هو أزيد منه أو أنقص،

لأن الزيادة والنقصان إنما يضافان إلى معلوم معروف، على أن الآية خرجت مخرج المثل، وأراد تعالى بوصف قلوبهم بالزيادة فى القسوة على الحجارة أنها قد انتهت إلى حد لا تلين معه للخير على وجه من الوجوه، وإن كانت الحجارة ربما لانت وانتفع بها، فصارت من هذا الوجه كأنها أشدّ قسوة منها تمثيلا وتشبيها.

فقول المفضل: «ليس يعرفون ما هو أقسى من الحجارة» لا معنى له إذا كان القول على طريق المثل.

وبعد؛ فإن الّذي طعن به على هذا الجواب يعترض على الوجه الّذي اختاره، لأنه إذا اختار أنّ أَوْ فى الآية بمعنى «بل» فكيف جاز بأن يخبرهم بأنّ قلوبهم أشدّ قسوة من الحجارة، وهم لا يعرفون ما هو أقسى من الحجارة! وإذا جاز أن يقول لهم: بل قلوبهم أقسى مما يعرفون من الحجارة جاز أن يخبر عن مثل ذلك بالواو فيقول: قلوبهم كالحجارة التى يعرفون فى القسوة، وهى مع ذلك تزيد عليها.

فإن قال [قائل] كيف يكون أَوْ فى الآية بمعنى الواو، والواو للجمع، وليس يجوز أن تكون قلوبهم كالحجارة، وأشد من الحجارة فى حالة واحدة؛ لأن الشيء إذا كان على صفة لم يجز أن يكون على خلافها!

قلنا: قد أجاب بعضهم عن هذا الاعتراض بأن قال: ليس يمتنع أن تكون قلوبهم كالحجارة فى حال، وأشد من الحجارة فى حال أخرى؛ فيصحّ المعنى، ولا يتنافى، وهذا قريب، ويكون فائدة هذا الجواب أن قلوب هؤلاء فى بعض الأحوال مع القسوة والعدول عن قبول الحق والفكر فيه؛ ربما لانت بعض اللين؛ [وهمّت بالانعطاف، وكادت تصغى إلى الحق فتكون فى هذه الحال كالحجارة التى ربما لانت]، وفى حال أخرى تكون فى نهاية البعد عن الخير والنفور عنه، فتكون فى هذا الحال أشدّ قسوة من الحجارة.

على أنه يمكن فى الجواب عن هذا الاعتراض وجه آخر؛ وقد تقدم معناه فى بعض كلامنا، وهو أن قلوبهم لا تكون أشدّ من الحجارة إلا بعد أن يكون فيها قسوة الحجارة؛ لأن القائل إذا قال: فلان أعلم من فلان فقد أخبر أنه زائد عليه فى العلم الّذي اشتركا فيه؛ فلا بدّ من الاشتراك ثم الزيادة، فليس هاهنا تناف على ما ظنّ المعترض، ولا إثبات لصفة ونفيها، فكل هذا واضح بحمد الله.

قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستحسن من الشعر قول الأحوص بن محمد الأنصارىّ:

ومولى سخيف الرّأى رخو تزيدهأناتى، وعفوى جهله عنده ذمّا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ومولى سخيف الرأي رخو تزيده»
دملت، ولولا غيره لأصبتهبشنعاء باق عارها تقر العظما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ومولى سخيف الرأي رخو تزيده»
طوى حسدا ضغنا عليّ كأنّماأداوى به فى كلّ مجمعة كلما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ومولى سخيف الرأي رخو تزيده»
/ ويجهل أحيانا فلا يستخفّنىولا أجهل العتبى إذا راجع الحلما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ومولى سخيف الرأي رخو تزيده»
يصدّ وينأى فى الرّخاء بودّهويدعو ويدعونى إذا خشى الهضما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ومولى سخيف الرأي رخو تزيده»
فيفرج عنه أربة الخصم مشهدىوأدفع عنه عند عثرته الظّلما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ومولى سخيف الرأي رخو تزيده»

الإربة: الدهاء، والإربة: العقدة، وكلا المعنيين يحتمل لفظ البيت-

وكنت امر أعود الفعال تهزّنىمآثر مجد تالد لم يكن زعما
وكنت وشتمى فى أرومة مالكبسبّى له كالكلب إذ ينبح النجما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ومولى سخيف الرأي رخو تزيده»
ولست بلاق سيّدا ساد مالكافتنسبه إلّا أبا لى أو عمّا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ولكن أبي لو قد سألت وجدته»
ستعلم إن عاديتنى فقع قرقرأما لا أفدت- لا أبا لك- أو عدما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ولكن أبي لو قد سألت وجدته»
لقد أبقت الأيّام منّى وحرسهالأعدائنا ثكلا وحسّادنا رغما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ولكن أبي لو قد سألت وجدته»
وكانت عروق السّوء أزرت وقصّرتبه أن ينال الحمد فالتمس الذّما
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ومولى سخيف الرأي رخو تزيده»

ومن مختار قوله:

إنى إذا خفى اللئام رأيتنىكالشّمس لا تخفى بكلّ مكان
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ما من مصيبة نكبة أمنى بها»
ما من مصيبة نكبة أمنى بهاإلّا تشرّفنى وتعظم شأنى
وتزول حين تزول عن متخمّطتخشى بوادره على الأقران
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ما من مصيبة نكبة أمنى بها»

ومن جيد شعره.

خليلان باحا بالهوى فتشاحنتأقاربها فى وصلها وأقاربه
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «خليلان باحا بالهوى فتشاحنت»
ألا إنّ أهوى النّاس قربا ورؤيةوريحا إذا ما اللّيل غارت كواكبه
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «خليلان باحا بالهوى فتشاحنت»
ضجيع دنا منّى جذلت بقربهفبات يمنّينى وبتّ أعاتبه
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «خليلان باحا بالهوى فتشاحنت»
وأخبره فى السّرّ بينى وبينهبأن ليس شيء عند نفسى يقاربه
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «خليلان باحا بالهوى فتشاحنت»

وقد غبّر فى وجه كل من وصف المضاجعة امرؤ القيس حيث يقول:

تقول وقد جرّدتها من ثيابهاكما رعت مكحولا من العين أتلعا
وجدّك لو شيء أتانا رسولهسواك، ولكن لم نجد لك مدفعا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «جزعت ولم أجزع من البين مجزع»
فبتنا نذود الوحش عنّا كأنّناقتيلان لم تعلم لنا النّاس مصرعا
إذا أخذتها هزّة الرّوع أمسكتبمنكب مقدام على الهول أروعا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «جزعت ولم أجزع من البين مجزع»

وقال على بن الجهم فى وصفه شدة الالتزام:

سقى الله ليلا ضمّنا بعد هجعةوأدنى فؤادا من فؤاد معذّب
فبتنا جميعا لو تراق زجاجةمن الرّاح فيما بيننا لم تسرّب
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

ولعبد الصمد بن المعذّل فى هذا المعنى:

كأنّنى عانقت ريحانةتنفّست فى ليلها البارد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ما أقصر الليل على الراقد»
فلو ترانا فى قميص الدّجىحسبتنا فى جسد واحد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ما أقصر الليل على الراقد»

ولبشار بن برد:

إنّنى أشتهي لقاءك واللهـ فماذا عليك أن تلقانى
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إنني أشتهي لقاءك والله»
قد تلفّ الرّياح غصنا من البان إلى مثله فيلتقيان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إنني أشتهي لقاءك والله»

ومثل هذا للبحترىّ:

ولم أنس ليلتنا فى العناق لفّ الصّبا بقضيب قضيبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لوت بالسلام بنانا خضيبا»
كما افتنّت الرّيح فى مرّهافطورا خفوتا، وطورا هبوبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لوت بالسلام بنانا خضيبا»

ولآخر فى مثل هذا بعينه، ولسنا ندرى هل سبق البحترىّ أو تأخر عنه:

وضمّ لا ينهنهه اعتناقكما التفّ القضيب على القضيب

ولعلى بن الجهم:

وبتنا على رغم الحسود كأنّناخليطان من ماء الغمامة والخمر

/ وهذا وإن جعله فى العناق فهو مأخوذ من قول بشار:

وإن نلتقى خلف الغيور كأنّناسلاف عقار بالنّقاخ مشوب

والأصل فى هذا قول الأخطل، والناس من بعده على أثره:

من الجازئات الحور مطلب سرّهاكبيض الأنوق المستكنّة فى الوكر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا أم بشر على الهجر»
وإنى وإيّاها إذا ما لقيتهالكالماء من صوب الغمامة والخمر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا أم بشر على الهجر»

وقد أخذه أيضا ابن أبى عيينة فقال:

ذاك إذ روحها وروحى مزاجان كأصفى خمر بأعذب ماء
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

وأخذه العباس بن الأحنف فقال:

ما أنس لا أنس يمناها معطّفةعلى فؤادى، ويسراها على راسى
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
وقولها: ليته ثوب على جسدىأو ليتنى كنت سربالا لعبّاس
أو ليته كان لى خمرا وكنت لهمن ماء مزن، فكنّا الدّهر فى كاس

ومثل هذا للبحترىّ:

وجدت نفسك من نفسى بمنزلةهى المصافاة بين الماء والرّاح
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمع برق سرى أم ضوء مصباح»

ولقد أحسن بشار فى قوله:

لقد كان ما بينى زمانا وبينهاكما بين ريح المسك والعنبر الورد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أصفراء ما أنسى هواك ولا ودي»

أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا أحمد بن محمد المكّى قال حدثنا أبو العيناء قال

حدثنا العتبىّ عن أبيه قال: سيّر الوليد بن عبد الملك الأحوص إلى دهلك، فكتب الأحوص إلى عمر بن عبد العزيز حين استخلف:

وكيف ترى للنّوم طعما ولذّةوخالك أمسى موثقا فى الحبائل!
فمن يك أمسى سائلا عن شماتةليشمت بى، أو شامتا غير سائل
/ فقد عجمت منّى الحوادث ماجداصبورا على غمّاء تلك البلابل
إذا سرّ لم يفرح، وليس لنكبةألمّت به بالخاشع المتضايل

فبعث عمر بن عبد العزيز إلى عراك بن مالك، الّذي كان شهد عليه فقال: ما ترى فى هذا البائس؟ فقال عراك: مكانه خير له، فتركه فى موضعه، فلما ولى يزيد بن عبد الملك جلب الأحوص وسيّر عراكا.

قال سيدنا أدام الله علوه: وإنما كان الأحوص خال عمر بن عبد العزيز من جهة أنّ أمّ عمر هى أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وأمها أنصارية.

فأما قوله «إذا سرّ لم يفرح» فمأخوذ من قول لقيط بن زرارة:

لا مترفا إن رخاء العيش ساعده،وليس إن عضّ مكروه به خشعا

وللأحوص:

وببطن مكّة لا أبوح بهقرشيّة غلبت على قلبى
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «قالت وقلت تحرجي وصلي»
ولو أنّها إذ مرّ موكبهايوم الكديد أطاعنى صحبى
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «قالت وقلت تحرجي وصلي»
قلنا لها: حيّيت من شجنولركبها: حيّيت من ركب
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «قالت وقلت تحرجي وصلي»
والشّوق أقتله برؤيتهاقتل الظّما بالبارد العذب
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «قالت وقلت تحرجي وصلي»
والنّاس إن حلّوا جميعهمشعبا- سلام، وأنت فى شعب
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «قالت وقلت تحرجي وصلي»
لحللت شعبك دون شعبهمولكان قربك منهم حسبى
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «قالت وقلت تحرجي وصلي»

قوله:

والشوق أقتله برؤيتها

نظير قول جرير:

فلما التقى الحيّان ألقيت العصاومات الهوى لمّا أصيبت مقاتله
للشاعر جرير، من قصيدة «ألم تر أن الجهل أقصر باطله»

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.