تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ]

إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ؛.

وما الّذي أثبت لهم العلم به؟ وكيف يطابق وصفهم هاهنا بالعلم لوصفهم بالجهل فى قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ؛.

الجواب، قلنا: هذه الآية معناها متعلّق بما قبلها؛ لأنه تعالى أمرهم بعبادته، والاعتراف بنعمته؛ ثم عدّد عليهم صنوف النّعم التى ليست إلا من جهته؛ ليستدلّوا بذلك على وجوب عبادته؛ وإن العبادة إنما تجب لأجل النّعم المخصوصة؛ فقال جل من قائل: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً إلى آخر الآية؛ ونبّه فى آخرها على وجوب توحيده والإخلاص له، وألّا يشرك به شيء، بقوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

ومعنى قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً أى يمكن أن تستقرّوا عليها وتفرشوها وتتصرفوا فيها؛ وذلك لا يمكن إلا بأن تكون مبسوطة ساكنة دائمة السكون.

وقد استدل أبو عليّ بذلك، وبقوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً على بطلان ما تقوّله المنجّمون من أن الأرض كريّة الشكل؛ وهذا القدر/ لا يدرك؛ لأنه يكفى فى النعمة علينا أن يكون فيها بسائط ومواضع مسطوحة يمكن التصرّف عليها؛ وليس يجب أن يكون جميعها كذلك؛ ومعلوم ضرورة أن جميع الأرض ليس مسطوحا مبسوطا وإن كان

مواضع التصرّف منها بهذه الصفة، والمنجّمون لا يدفعون أن يكون فى الأرض بسائط وسطوح يتصرّف عليها، ويستقرّ فيها؛ وإنما يذهبون إلى أن بجملتها شكل الكرة.

وليس له أن يقول: قوله: وجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً يقتضي الإشارة إلى جميع الأرض وجملتها؛ لا إلى مواضع منها، لأن ذلك تدفعه الضرورة من حيث أنا نعلم بالمشاهدة أنّ فيها ما ليس ببساط ولا فراش؛ ولا شبهة فى أن جعله السماء على ما هى عليه من الصّفة ممّا له تعلّق بمنافعنا ومصالحنا. وكذلك إنزاله تعالى منها الماء الّذي هو المطر الّذي تظهر به الثمرات فننتفع بنيلها والاغتذاء بها.

فأما قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً فإن الندّ هو المثل والعدل؛ قال حسان ابن ثابت:

أتهجوه ولست له بندّفشرّ كما لخيركما الفداء

فأما قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيحتمل وجوها:

أولها أن يريد أنكم تعلمون أنّ الأنداد التى هى الأصنام وما جرى مجراها التى تعبدونها من دون الله تعالى لم ينعم عليكم بهذه النعم التى عدّدها ولا بأمثالها، وأنها لا تضرّ ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر؛ ومعلوم أن المشركين

الذين كانوا يعبدون الأصنام ما كانوا يدّعون ولا تعتقدون أنّ الأصنام خلقت السماء والأرض من دون الله ولا معه تعالى؛ فالوصف لهم هاهنا بالعلم إنما هو لتأكيد الحجة عليهم. ويصح لزومها لهم؛ لأنهم مع العلم بما ذكرناه يكونون أضيق عذرا.

والوجه الثانى أن يكون المراد بقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى تعقلون وتميزون، وتعلمون ما تقولون وتفعلون، وتأتون وتذرون، لأنّ من كان بهذه الصفة فقد استوفى شروط التكليف، ولزمته الحجة، وضاق عذره فى التخلّف عن النظر وإصابة الحق.

ونظير ذلك/ قوله تعالى: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ؛ وإِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ؛.

والوجه الثالث ما قاله بعض المفسرين كمجاهد وغيره أن المراد بذلك أهل الكتابين التوراة والإنجيل خاصة. ومعنى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى أنكم تعلمون أنه إله واحد فى التوراة والإنجيل.

فعلى الوجهين الأولين لا تنافى بين هذه الآية وبين قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ؛ لأنّ علمهم تعلّق بشيء، وجهلهم تعلق بغيره. وعلى الوجه الثالث إذا جعل الآية التى سئلنا عنها مختصة بأهل الكتاب أمكن أن تجعل الآية التى وصفوا فيها بالجهل تتناول غير هؤلاء؛ ممن لم يكن ذا كتاب يجد فيه بيان التوحيد؛ وكلّ هذا واضح بحمد الله.

قال سيدنا أدام الله علوّه: ومما يفسّر من الشعر تفاسير مختلفة؛ والقول محتمل للكلّ قول امرئ القيس:

وقد اغتدى ومعى القانصانوكلّ بمربأة مقتفر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار عمرو كأني خمر»
فيدركنا فغم داجنسميع بصير طلوب نكر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»
ألصّ الضّروس، حنيّ الضّلوع،تبوع، أريب، نشيط، أشر
فأنشب أظفاره فى النّسافقلت: هبلت! ألا تنتصر!
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة
فكرّ إليه بمبراتهكما خلّ ظهر اللّسان المجر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»
فظلّ يرنّح فى غيطلكما يستدير الحمار النّعر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

قال ابن السّكّيت: القانصان: الصائدان، والمربأة: الموضع المرتفع يربأ فيه، والمقتفر:

الّذي يقتفر آثار الوحش ويتبعها. وقال غيره: القانصان: البازى والصقر.

والفغم: الكلب الحريص على الصيد؛ يقال: ما أشدّ فغمه! أى ما أشد حرصه!، قال الأعشى:

نؤمّ ديار بنى عامروأنت بآل عقيل فغم

أى مولع، والدّاجن: الّذي يألف الصيد، والسميع: الّذي إذا سمع حسّا لم يفته، والبصير: الّذي إذا رأى شيئا من بعد لم يكذبه بصره، والتبوع: الّذي إذا تبع الصيد أدركه ولم يعجز عن لحقوقه/، والنّكر: المنكر الحاذق بالصيد، ويروى «نكر» بالضم.

وقال ابن السكيت وغيره فى قوله:

فأنشب أظفاره فى النّسا

أى أنشب الكلب أظفاره فى نسا الثور، والنّسا: عرق فى الفخذ معروف. «فقلت:

هبلت»؛ أى: فقلت للثور: هبلت، ألا تنتصر من الكلب! قالوا: وهذا تهكّم منه بالثور واستهزاء به، والأصل فى التهكّم الوقوع على الشيء؛ يقال: تهكّم البيت إذا وقع بعضه على بعض.

ومعنى:

فكرّ إليه بمبراته

قال ابن السكّيت وغيره: معناه: فكرّ الثور إلى الكلب بمبراته؛ أى بقرنه.

ومعنى:

كما خلّ ظهر اللسان المجرّ

أى طعنه كما يجرّ الرجل لسان الفصيل، وهو أن يقطع طرف لسانه أو يشقّه حتى لا يقدر على الشرب من خلف أمه، وذلك إذا كبر واستغنى عن الشرب.

ومعنى:

فظل يرنّح فى غيطل

أى ظل الكلب يرنّح، أى يميد ويتمايل كالسكران، والغيطل: الشجر الملتف، ويكون أيضا الجلبة والصياح.

وقوله:

كما يستدير الحمار النعر

فالنّعر: الّذي يدخل فى رأسه ذباب أزرق أو أخضر، فيطح برأسه وينزو، فشبّه الكلب فى اضطرابه ونزوّه بالحمار النّعر، قال ابن مقبل:

ترى النّعرات الزّرق تحت لبانهأحاد ومثنى أصعقتها صواهله

وقال أحمد بن عبيد: القانصان: الفرس وصاحبه؛ والحجّة أن الفرس تسمى قانصا قول عدىّ بن زيد:

تقنصك الخيل ويصطادك الطّير ولا تنكع لهو القنيص

أى لا تمنع به.

قال: وقوله:

فأنشب أظفاره فى النّسا

معناه فأنشب الكلب أظفاره فى نسا الثور، فقلت لصاحب الفرس أو لغلامى الممسك للفرس: هبلت! ألا تدنو إلى الثور فتطعنه فقد أمسكه عليك الكلب! قال: ومحال أن يكون امرؤ القيس أغرى الثور بقتل كلبه؛ لأن امرأ القيس يفخر بالصيد ويصفه فى أكثر شعره بأنه مرزوق منه مظفّر فيه، كقوله:

إذا ما خرجنا قال ولدان أهلنا:تعالوا إلى أن يأتنا الصّيد نحطب

وكقوله:

مطعم للصّيد ليس لهغيره كسب على كبره
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «رب رام من بني ثعل»

فمحال على هذا أن يغرى الثور بقتل كلبه.

قال: وتأويل «ألا تنتصر! » ألا تدنو من الثور! والدليل على أن «تنتصر» بمعنى «تدنو» قول الراعى:

وأفرغن فى وادى جلاميد بعد ماعلا البيد سافى القيظة المتناصر

أى المتدانى.

وقال مضرّس بن ربعىّ:

فإنّك لا تعطى امرأ حظّ غيرهولا تملك الشّقّ الّذي الغيث ناصره

أى دان منه.

ومعنى: «ألصّ الضّروس» أى بعض أسنانه ملتصق ببعض.

وحنيّ الضلوع: أى مشرف الضلوع عاليها. ويروى: «حنى الضّلوع» بالنون أى منحنيها. ويقال: إن الضّلوع إذا تقوّست كان أوسع لجوفه وأقوى له؛ ويروى أيضا: «خفىّ الضلوع» أى ضلوعه خفية داخلة فى جنبه.

ومعنى:

فظلّ يرنّح فى غيطل

أى ظلّ الثور يرنّح فى غيطل لمّا طعنه صاحب الفرس. وقد يجوز أيضا أن يكون ترنّح الثور لظفر الكلب به، ولأنه أنشب أظفاره فيه؛ وكلّ ذلك محتمل.

ومما يحتمل أيضا على وجوه مختلفة قول امرئ القيس:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمهالما نسجتها من جنوب وشمأل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قال قوم: معناه لم يدرس رسمها لنسج هاتين الريحين فقط؛ بل لتتابع الرياح والأمطار؛ والدليل على ذلك قوله فى البيت الآخر:

فهل عند رسم دارس من معوّل

وقال آخرون: ومعنى: «لم يعف رسمها» لم يدرس، فالرسم على هذا القول باق غير دارس.

ومعنى قوله فى البيت الآخر: «رسم دارس»، أى فهل عند رسم سيدرس فى المستقبل! وإن كان الساعة موجودا غير دارس!

وقال آخرون فى معنى قوله: «لم يعف» مثل الوجه الثانى؛ أى أنه لم يدرس أثرها لما نسجتها، بل هى بواق ثوابت،

فنحن نحزن لها، ونجزع عند رؤيتها، ولو عفت وامّحت لاسترحنا، وهذا مثل قول ابن أحمر:

ألا ليت المنازل قد بلينافلا يبكين ذا شجن حزينا

ومثل قول الآخر:

/ ليت الدّيار التى تبقى لتحزنناكانت تبين إذا ما أهلها بانوا

وليس قوله:

فهل عند رسم دارس من معوّل

نقضا لهذا، إنما هو كقولك: درس كتابك، أى ذهب بعضه وبقى بعض.

وقال أبو بكر العبدىّ: معناه لم يعف رسمها من قلبى، وهو دارس من الموضع، فلم يتناول قوله: «لم يعف رسمها» ما تناوله قوله: «فهل عند رسم دارس» من جميع وجوهه فيتناقض الكلام.

وقال آخرون: أراد بقوله: «لم يعف»، لم يدرس، ثم أكذب نفسه بقوله:

فهل عند رسم دارس من معوّل

كما قال زهير:

قف بالدّيار التى لم يعفها القدمبلى، وغيّرها الأرواح والدّيم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

وكما قال الآخر:

فلا تبعدن يا خير عمرو بن مالكبلى، إنّ من زار القبور ليبعدا

أراد «ليبعدن»، فأبدل الألف من النون الخفيفة؛ وهذا وجه ضعيف، وبيت زهير ليس يجب فيه ما توهّم من المناقضة والتكذيب؛ لأنه يمكن أن يحمل على ما ذكرناه فى أحد الوجوه المتقدمة؛ من أنه أراد أنّ رسمها لم يعف ولم يبطل كلّه، وإن كان قد غيّرت الدّيم والأرواح بعضه وأثّرت فى بعض.

فأما البيت الثانى فلا حجّة فيه؛ لأنه لم يتضمن إثباتا ونفيا، وإنما دعاء له ألا يبعد، ثم رجع إلى قوله: «بلى» إنه ليبعد من زار القبور، وما يدعى به غير واجب ولا ثابت، فكيف ينافى الإثبات الثانى!

ويمكن فى البيت وجه آخر، وهو أن يكون معنى: «لم يعف رسمها» أى لم يزد ويكثر فيظهر حتى يعرفه المترسّم؛ ويثبته المتأمل، بل هو خاف غير لائح ولا ظاهر. ثم قال من بعد:

فهل عند رسم دارس من معوّل

فلم يتناقض الأول؛ لأنه قد أثبت الدروس له فى كلا الموضعين. ولا شبهة فى أن «عفا» من حروف الأضداد التى تستعمل تارة فى الدروس، وأخرى فى الزيادة والكثرة؛ قال الله تعالى:

حَتَّى عَفَوْا؛؛ أى كثروا؛ ويقال: قد عفا الشّعر إذا كثر، وقال الشاعر:

ولكنّا نعضّ السّيف منهابأسوق عافيات اللّحم كوم
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «رأتني قد شحبت وسل جسمي»

/ أراد كثيرات اللحم؛ يقال: قد عفا وبر البعير إذا زاد؛ ويقال: أعفيت الشعر وعفوته إذا كثرته وزدت فيه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بأن تحفى الشوارب وتعفى اللّحى؛ أى توفر، وهذا الوجه عندى أشبه مما تقدم.

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.