من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛.
فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنّ نصح النبي صلى الله عليه وآله لم ينفع الكفار الذين أراد الله بهم الكفر والغواية، وهذا بخلاف مذهبكم!
الجواب، قلنا: ليس فى ظاهر الآية ما يقتضيه خلاف مذهبنا؛ لأنه تعالى لم يقل إنه فعل الغواية أو أرادها؛ وإنما أخبر أن نصح النبىّ ﵇ لا ينفع إن كان الله يريد غوايتهم. ووقوع الإرادة لذلك أو جواز وقوعها لا دلالة عليه فى الظاهر؛ على أن الغواية هاهنا الخيبة وحرمان الثواب؛ ويشهد بصحة ما ذكرناه فى هذه اللفظة قول الشاعر:
فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمرهومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما
فكأنه قال: إن كان الله يريد أن يعاقبكم بسوء أعمالكم وكفركم، ويحرمكم ثوابه فليس ينفعكم/ نصحى ما دمتم
مقيمين على ما أنتم عليه؛ إلا أن تقلعوا وتتوبوا.
وقد سمى الله تعالى العقاب غيا، فقال: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا؛ وما قبل هذه الآية يشهد بما ذكرناه؛ وأن القوم استعجلوا عقاب الله تعالى: قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي ... الآية؛؛ فأخبر أن نصحه لا ينفع من يريد الله أن ينزل به العذاب، ولا يغنى عنه شيئا.
وقال جعفر بن حرب: إن الآية تتعلق بأنه كان فى قوم نوح طائفة تقول بالجبر، فنبّههم الله تعالى بهذا القول على فساد مذهبهم؛ وقال لهم على طريق الإنكار عليهم والتعجب من قولهم: إن كان القول كما تقولون من أن الله يفعل فيكم الكفر والفساد، فما ينفعكم نصحى؛ فلا تطلبوا منى نصحا وأنتم على ذلك لا تنتفعون به؛ وهذا جيد.
وروى عن الحسن البصرىّ فى هذه الآية وجه صالح؛ وهو أنه قال: المعنى فيها إن كان الله يريد أن يعذّبكم فليس ينفعكم نصحى عند نزول العذاب بكم، وإن قبلتموه وآمنتم به؛ لأنّ كان من حكم الله تعالى ألّا يقبل الإيمان عند نزول العذاب؛ وهذا كله واضح فى زوال الشبهة بالآية.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن ما قيل فى صفة المصلوب قول أبى تمام الطائىّ فى قصيدة يمدح بها المعتصم، ويذكر قتل الأفشين وحرقه وصلبه:
ما زال سرّ الكفر بين ضلوعهحتى اصطلى سرّ الزّناد الوارى
نارا يساور جسمه من حرّهالهب كما عصفرت شقّ إزار
طارت لها شعل يهدّم لفحهاأركانه هدما بغير غبار
فصّلن منه كلّ مجمع مفصلوفعلن فاقرة بكلّ فقار
مشبوبة رفعت لأعظم مشركما كان يرفع ضوأها للسّارى
صلّى لها حيّا وكان وقودهاميتا، ويدخلها مع الكفّار
/ وكذاك أهل النّار فى الدّنيا هميوم القيامة جلّ أهل النار
يا مشهدا صدرت بفرحته إلىأمصارها القصوى بنو الأمصار
رمقوا أعالى جذعه فكأنمارمقوا الهلال عشيّة الإفطار
واستنشقوا منه قتارا نشرهمن عنبر ذفر ومسك دارى
وتحدّثوا عن هلكه بحديث منبالبدو عن متتابع الأمطار
قد كان بوّأه الخليفة جانبامن قلبه حرما على الأقدار
فسقاه ماء الخفض غير مصرّدوأنامه فى الأمن غير غرار
ولقد شفى الأحشاء من برحائهاأن صار بابك جار مازيار
ثانيه فى كبد السّماء ولم يكنلاثنين ثان إذ هما فى الغار
وكأنّما انتبذا لكيما يطوياعن ناطس خبرا من الأخبار
سود اللّباس كأنما نسجت لهمأيدى السّموم مدارعا من قار
بكروا وأسروا فى متون ضوامرفبدت لهم من مربط النّجّار
لا يبرحون ومن رآهم خالهمأبدا على سفر من الأسفار
كادوا النّبوّة والهدى فتقطّعتأعناقهم فى ذلك المضمار
وله يذكر صلب بابك:
لمّا قضى رمضان منه قضاءهشالت به الأيّام فى شوّال
ما زال مغلول العزيمة سادراحتى غدا فى القيد والأغلال
مستبسلا للبأس طوقا من دملما استبان فظاظة الخلخال
أهدى لمتن الجذع متنيه كذامن عاف متن الأسمر العسّال
لا كعب أسفل موضعا من كعبهمع أنّه عن كلّ كعب عال
/ سام كأنّ العزّ يجذب ضبعهوسموّه من ذلّة وسفال
متفرّغ أبدا وليس بفارغمن لا سبيل له إلى الأشغال
قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن عجيب الأمور أن أبا العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار ينشد هذه الأبيات المفرطة فى الحسن فى جملة مقابح أبى تمام، وما خرّجه- بزعمه- من سقطه وغلطه؛ ويقول فى عقبها: ولم يسمع بشعر وصف فيه مصلوب بأغثّ من هذا الوصف، وأين كان عن مثل إبراهيم بن المهدى يصف صلب بابك فى قصيدة يمدح بها المعتصم:
ما زال يعنف بالنّعمى فنفّرهاعنه الغموط، ووافته الأراصيد
حتى علا حيث لا ينحطّ مجتمعاكما علا أبدا ما أورق العود
يا بقعة ضربت فيها علاوتهوعينه، وذوت أغصانه الميد
بوركت أرضا وأوطانا مباركةما عنك فى الأرض للتّقديس تعريد
لو تقدر الأرض حجّتك البلاد فلايبقى على الأرض إلّا حجّ جلمود
لم يبك إبليس إلّا حين أبصرهفى زيّه، وهو فوق الفيل مصفود
كناقة النّحر تزهى تحت زينتهاوحدّ شفرتها للنّحر محدود
ما كان أحسن قول النّاس يومئذأيوم بابك هذا أم هو العيد!
صيّرت جثّته جيدا لباسقةجرداء، والرّأس منه ما له جيد
فآض تلعب هوج العاصفات بهعلى الطّريق صليبا طرفه عود
كأنّه شلو كبش والهواء لهتنوّر شاوية، والجذع سفّود
وهكذا ينبغى أن يطعن على أبيات أبى تمام من يستجيد هذه الأبيات ويفرط فى تقريظها؛ وليت من جهل شيئا عدل عن الخوض فيه والكلام عليه؛ فكان ذلك وأولى به. وأبيات أبى تمام فى نهاية القوّة وجودة المعانى والألفاظ وسلامة السّبك واطراد/ النسج، وأبيات ابن المهدى مضطربة الألفاظ، مختلفة النسج، متفاوتة الكلام؛ وما فيها شيء يجوز أن يوضع عليه اليد إلا قوله:
حتّى علا حيث لا ينحط مجتمعاكما علا أبدا ما أورق العود
وبعده البيت الأخير وإن كان بارد الألفاظ.
وقد أحسن مسلم بن الوليد فى قوله:
ما زال يعنف بالنّعمى ويغمطهاحتى استقلّ به عود على عود
نصبته حيث ترتاب الرياح بهوتحسد الطّير فيه أضبع البيد
وللبحترىّ فى هذا المعنى من قصيدة يمدح بها أبا سعيد أو لها:
لا دمنة بلوى خبت ولا طلليردّ قولا على ذى لوعة يسل
إن عزّ دمعك فى آي الرّسوم فلميصب عليها فعندى أدمع بلل
هل أنت يوما معيرى نظرة فترىفى رمل يبرين عيرا سيرها رمل!
حثّوا النّوى بحداة ما لها وطنغير النّوى، وجمال ما لها عقل
يقول فيها:
تحمله البرد من أقصى الثّغور إلىأدنى العراق سراعا ريثها عجل
بسرّ من راء منكوسا تجاذبهأيدى الشّمال فضولا كلّها فضل
أمسى يردّ حريق الشمس جانبهعن بابك، وهى فى الباقين تشتعل
تفاوتوا بين مرفوع ومنخفضعلى مراتب ما قالوا وما فعلوا
ردّ الهجير لحاهم بعد شعلتهاسودا، فعادوا شبابا بعد ما اكتهلوا
سما له حابل الآساد فى لمةمن المنايا، فأمسى وهو محتبل
حالى الذّراعين والسّاقين لو صدقتله المنى لتمنّى أنّها عطل
من تحت مطبق أرض الشّام فى نفرأسرى يودّون ودّا أنّهم قتلوا
/ غابوا عن الأرض أنأى غيبة وهمفيها؛ فلا وصل إلّا الكتب والرّسل
وله فى هذا المعنى:
ما زلت تقرع باب بابك بالقناوتزوره فى غارة شعواء
حتى أخذت بنصل سيفك عنوةمنه الّذي أعيا على الأمراء
أخليت منه البذّ وهى قرارهونصبته علما بسامرّاء
لم يبق فيه خوف بأسك مطمعاللطّير فى عود ولا إبداء
فتراه مطّردا على أعوادهمثل اطراد كواكب الجوزاء
مستشرفا للشّمس منتصبا لهافى أخريات الجذع كالحرباء
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع