تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

مساوئ الفقر

قيل: أمر الله ﷿ موسى، ﵇، فقال: ائت كورة كذا وكذا، فقال: يا رب إني قتلت منهم نفساً وأنا خائف، فقال الله جل وعز: إني قد أمتّ أقرباءه. فصار إليها فأول ما استقبله قرابة للمقتول. فقال: يا رب هذا أخوه! قال: يا موسى إني جعلته فقيراً والفقير ميت من العقل وعند الناس ميت وعند الحلال والحرام ميت والفقر الموت الأكبر.

وقيل: إنه إذا أيسر الفقير ابتُلي به ثلاثة: صديقه القديم يجفوه وامرأته يتزوج عليها وداره يهدمها ويبنيها.

وكان في الجاهلية رجل حسن الحال وكان بنو عمه وأخواله يختلفون إليه فيعطيهم ويمونهم ويقوم بأمورهم، ثم اختلّ أمره فأتاهم فحرموه، فأتى أهله كئيباً، فقالت له امرأته: ما حالك؟ فقال: دعيني عنك، وأنشأ يقول:

دعي عنك عذلي ما من العذل أعجبولا بد حالٌ بعد حال تقلب
وكان بنو عمي يقولون مرحباًفلما رأوني مقتراً مات مرحب
كأن مُقلاً حين يغدو لحاجةٍإلى كل من يلقى من الناس مذنب

وقال بعضهم: رب مغبوطٍ بميسرةٍ هي داؤه ومرحوم من عدم هو شفاؤه، والدنيا دول فما كان لك منها أتاك على ضعفك وما كان عليك لم تدفعه بقوتك، ومن عتب على الدهر طالت معتبته. وقال الأضبط:

إرض من الدهر ما أتاك بهمن قرّ عيناً بعيشه نفعه

قال: وسمع سفيان الثوريّ قوماً يقولون بعضهم لبعض: كيف حالك؟ فقال: لقد بلغني أن من كان قبلكم كان يكره أن يسأل أخاه عن حاله إلا من يكون مجمعاً على تغيير سوء حاله إذا أخبره.

قال: وقال أوس بن حارثة: خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع.

قيل: ومرّ رجل من الأغنياء برجل من أهل العلم فتحرك له وأكرمه، فقيل له: هل كانت لك إليه حاجة؟ قال: لا ولكن ذو المال مهيبٌ، وقال: فيه الشاعر:

أرى كل ذي مال يُجلّ لمالهومن ليس ذا مال يهان ويحقر
ويخذله الإخوان إن قل مالهوليس بمحبوب بلى هو يهجر
وأقنع بالمال القليل تكرماًلأغنى به عما لديك وأصبر

وذكروا أن زياد بن أبي سفيان أرق ذات ليلة وهو بالبصرة فبعث إلى غيلان بن خرشة الضبيّ وسويد بن منجوف السدوسي والأحنف بن قيس السعدي، فلما توافوا إليه قال: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ إنه كان عندي ثلاثة من دهاقين كسرى يحدّثون بما كانت الأكاسرة فيه من ملكها وعظيم شأنها، فتقاصر إليّ ما نحن فيه فبعثت إليكم لتصفوا لي ما كانت العرب فيه من البؤس وشدة الحال لنقنع بما نحن فيه فإن الغنى القناعة. قال غيلان: إن اقتصرت عليّ دون أصحابي حدثتك. قال: هات. قال: أخبرني عم لي صدوق أنه خرج في سنة أصابت العرب فيها شدةٌ حتى أكلوا القدّ من القحط واحمر أديم الأرض وآفاق السماء، قال: فطفت ثلاثاً ما أطعم فيهنّ شيئاً إلا ما يأكل بعيري من حشرات الأرض حتى أصابني الميد فشددت على بطني حجراً من الجوع، فإني لكذلك في جوف الليل إذ دفعت إلى حي عظيم فسلّمت. فقالوا: من هذا؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فقالوا: والله ما أبقت لنا هذه السنة قرىً ولا فضلاً. فقالت امرأة كانت إلى جانب القبة: يا عبد الله دونك القبة العظيمة فإن كان عند أحد خير فعندها. فأممتها فلما دفعت إليها سلمت فقال لي: من هذا؟ فقلت: طارق ليل يلتمس قرىً، فقال رجل منهم: يا فلان هل عندك قرى؟ قال: نعم، قد أبقيت في ضرع فلانة رسلاً لطارق ليل. ثم ثار إليها فناداها فانبعثت وتفاجّت عن مثل الظبي القنيص، فضرب زبونتها ثم حلب في علبةٍ معه حتى علتها رغوة اللبن، وكل ذلك بمرأى مني ومسمع، فلقد سمعت الغناء الحذّاء فما سمعت شيئاً كان أحبّ إلى مسامعي من صوت شخبها في تلك العلبة، ثم أقبل بها يريدني فلما أهويت لآخذها عثر فانكفأت العلبة وذهب ما فيها، فوالله لقد فقدت الأهل والمال فما أُصبت بشرّ كان أفزع لقلبي ولا أعظم موقعاً عندي من انكفاء تلك العلبة على مثل الحال التي كنت فيها، فلما رآني صاحب القبة ورأى ما بي من شدة الجهد خرج حتى دخل في إبله وهو يقول: صدق أخو بني قيس في قوله:

هم يطردون الفقر عن جارهمحتى يرى كالغصن الناضر

فأخذ ناقة كوماء فكشف عن عرقوبيها ثم قال: دونك السنام، فلما وافى الودك بطني وحفوف الماء ولا عهد لي قبل ذلك بشيء منه خررت مغشياً عليّ، فوالله ما أيقظني إلا برد السحر. فقال زياد: قطني قد اكتفيت بهذا، هذا والله غاية الجهد فالحمد لله الذي منّ علينا بمحمد، ﷺ، وهدانا إلى الإسلام وجعلنا ملوكاً. ثم قال: لا أب لشانئك فمن الرجل؟ فقال: عامر بن الطفيل. فقال أبو علي: والله كان لها ولأمثالها.

قال وقال عمر بن الخطاب، ﵁: لقد رأيتني في الجاهلية وأخية لي وإنا لنرعى ناضحاً لأبوينا قد زودتنا أمنا يمنتيها من الهبيد فإذا أسخنت علينا الشمس ألقيت الشملة على أختي وخرجت عرياناً أسعى فنظلّ نرعى ذلك الناضح فنرجع إلى أمنا من الليل وقد صنعت لنا لفيتةً من ذلك الهبيد فنتعشى فواخصباه! قال بعض جلسائه: فوالله لقد حسدته على ذلك.

قال: وسئل عمر بن الخطاب، ﵁، عن جهد البلاء فقال: قلة المال وكثرة العيال.

وكان الفضيل يقول: المال يسوّد غير السيّد ويقويّ غير الأيّد.

وفي كتاب كليلة ودمنة: الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمناً وأساء به الظن من كان يظن به حسناً، وإن أذنب غيره ظنوه به، وإن كان لسوء الظن والتهمة موضعاً حملوا على ذلك الذي يفعله غيره، وأنشد في ذلك:

إذا قلّ مال المرء قلّ صديقهوأومت إليه بالعيوب الأصابع

ولآخر:

إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤهوضاقت عليه أرضه وسماؤه
للشاعر يحيى بن أكثم، اقرأ القصيدة
وحار ولا يدري وإن كان حازماًأقدّامه خيرٌ له أم وراؤه
إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤهولا خير في وجهٍ يقلّ حياؤه

وقيل لأعرابي: ما أشد الأشياء؟ قال: كبدٌ جائعة تؤدي إلى أمعاء ضيقة.

وقيل لأعرابي: لم يقول أهل الحضر باعك الله في الأعراب؟ قال: لأنا والله نعري جلده ونجيع كبده ونطيل كدّه.

ومما قيل فيه من الشعر:

أعظم من فاقةٍ وجوعمقام حرٍّ على خضوع
فلا ترده ولا ترد ماأٌنيل بالذل والخشوع
واطلب معاشاً بقدر قوتٍوأنت في منزلٍ رفيع
لعل دهراً غداً بنحسٍيعود بالسعد في الرجوع

ولآخر:

الموت خيرٌ للفتىمن أن يعيش بغير مال
والموت خيرٌ للكريم من الضراعة للرجال

ولآخر:

بخلت وليس البخل مني سجيةًولكن رأيت الفقر شرّ سبيل
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «بخلت وليس البخل مني سجية»
لموت الفتى خيرٌ من البخل للفتىوللبخل خيرٌ للفتى من سؤال بخيل
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «بخلت وليس البخل مني سجية»
لعمرك ما شيء لوجهك قيمةٌفلا تلق مخلوقاً بوجه ذليل
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ولا تسألن من كان يسأل مرةًفللموت خيرٌ من سؤال سؤول
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

ولآخر:

لاتحسبن الموت موت البلىفإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موتٌ ولكن ذاأشد من هذا لذلّ السؤال
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا أيها المتعب بزل الجمال»

ولآخر في معناه:

من كان في الدنيا أخا ثروةٍفنحن من نظارة الدنيا
نرمقها من كثبٍ هكذاكأننا لفظٌ بلا معنى

ولآخر:

قد أراح الله من غمٍ شديدٍ وعذاب
واسترحنا من عيالٍوعبيدٍ ودواب
وضياعٍ ونخيلٍوحصادٍ وكراب
واسترحنا من وقوفٍلبني الدنيا بباب
وقنعنا وأقمناوحططنا عن ركاب
حبّذا الوحدة إن كان بصيراً بالحساب

ولآخر:

الحمد لله ليس لي مالولالخلقٍ عليّ إفضال
الخان بيتي ومشجبي بدنيوخادمي والوكيل بقّال

ولآخر:

بقيت ومركبتي البرذون حتىأخفّ الكيس إغلاء الشعير
وصرت إلى البغال فأعجزتنيوصرت من البغال إلى الحمير
فعزّتني الحمير فصرت أمشيأزجّي الرِّجل تزجية الكسير

ولآخر:

أتراني أرى من الدهر يوماًلي يوماً مطيةٌ غير رجلي
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «أتراني أرى من الدهر يوما»
وإذا كنت في جميعٍ فقالواقرّبوا للرحيل قرّبت نعلي
حيثما كنت لا أخلِّف رحلاًمن رآني فقد رآني ورحلي

أبو هفان:

يا مولج الليل في النهارصبراً على الذّلّ والصّغار
للشاعر أبو هفان المهزمي، اقرأ القصيدة
كم من حمارٍ له حمارٌومن جوادٍ بلا حمار
للشاعر أبو هفان المهزمي، اقرأ القصيدة

الحمدوني:

تسامى الرجال على خيلهمورجلي من بينهم حافيه
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
فإن كنت حاملنا ربناوإلا فأرجل بني الزانية
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة

قال: وكان أعرابي بالبصرة في بيت فكان إذا خرج استوثق على غلق بابه فيظن جيرانه أن له مالاً فقال:

ليس إغلاقي لبابي أن ليفيه ما أخشى عليه السرقا
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «ليس إغلاقي لبابي أن لي»
إنما أغلقه كي لا يرىسوء حالي من يمرّ الطرقا
ليس لي فيه سوى باريةٍوبلى أغلَقْتُ لِبداً خَلَقا
منزلٌ داخله الفقر فلودخل السارق فيه شرِقا

ولآخر:

يبيت يراعي النجم من جوع بطنهويصبح يُلقى ضاحكاً متبسما

ولآخر:

وعاقبة الصبر الجميل جميلةٌوأحسن أخلاق الرجال التفضّل
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
ولا عار أن زالت على المرء نعمةٌولكن عاراً أن يزول التجمّل

ولآخر:

كم من فقيرٍ بعد جهدٍ وحاجةٍهو اليوم محسودٌ وقد كان يُرحم

ولآخر:

قد يكثر المال يوماً بعد قلتهويكتسي الغصن بعد اليبس بالورق
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة

ولآخر:

كم من غنيٍّ رأيت الفقر أدركهومن فقيرٍ غنياً بعد إقلال

ولآخر:

كم من غني كان بالمال مثرياًهو اليوم مرحومٌ وقد كان يُحسد

ولآخر:

كم من فتىً كان ذا ثروةٍرمته الحوادث حتى افتقر

ولآخر:

إذا كان جدُّ المرء في الشيء مقبلاًتأتت له الأشياء من كل جانب
وإن أدبرت دنياه عنه توعرتعليه وأعيته وجوه المطالب
وإن قلّ مال المرء أقصاه أهلهوأعرض عنه كلّ إلفٍ وصاحب
وكذّبه الأقوام في كلّ منطقٍوإن كان فيه صادقاً غير كاذب

ولآخر:

متى ما يرى الناس الفقير وجارهيقولون هذا عاجزٌ وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتىولكن أحاظٍ قسّمت وجدود
للشاعر سويد بن خذاق العبدي، اقرأ القصيدة

وقال عبد الأعلى القاضي: الفقير مرقته سلقة ورداؤه علقة وسمكته شلقة.

ولآخر:

من كان ذا مالٍ كثيرٍ فلميقنع فذاك الموسر المقتر
الفقر في النفس وفيها الغنىوفي غنى النفس الغنى الأكبر
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «من كان ذا مال كثير ولم»

وكتب بعضهم يستميح بعض الأغنياء:

هذا كتاب فتىً أزرى الزمان بهقد كاد تنفطر الأضلاع من هممه
شطّت منازله عنه وضعضعهريب الزمان فأبدى الضعف في كلمه
يذري الدموع بعينٍ غير جامدةٍطوراً بدمعٍ ويبكي تارةً بدمه
أضحى ببابك محزوناً له أملٌيرجو بجودك أن يفتكّ من عدمه
يا ذا المقدّم في الأفعال من كرمٍأنت المداوي صريع الدهر من سقمه

ولآخر:

خُلقٌ واسعٌ ومالٌ قليلواعتداءٌ من الزمان طويل
ما احتيال الفتى بدولة دهرٍوعليه النائبات تدول
كلما رام نهضةً أقعدتهعائلات من الزمان تعول

فيمن أثرى بعد الفقر أٌنشد لرجل من المحدثين:

لئن كنتَ قد أُعطيتَ خزّاً تجرّهتبدّلته من فروةٍ وإهاب
فلا تُعجبن أن تملك الناس إننيأرى أمّةً قد أدبرت لذهاب

ولآخر:

تاه على إخوانه بالغنىفصار لا يطرف من كبره
أعاده الله إلى حالهفإنه يحسن في فقره
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

ولآخر دعبل:

عطاياه تغدو على سابحٍوطوراً على بغلةٍ ندبه
فلو خُصّ بالرزق بخل الكرام ما نال خيطاً ولا هدبه
ولكنه الرزق ممن يعيش في رزقه الكلب والكلبه

ولآخر:

كنت إذ كنتَ عديماًلي خلاً ونديما
ثم أثريت فأعرضت ولم ترع قديما
صار ما نلت من المال لنا ذنباً عظيما
هكذا يفعل بالإخوان من كان كريما

ولآخر:

صحبتك إذ أنت لا تُصحبوإذ أنت لا غيرك الموكِب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
وإذ أنت تفرح بالزائرينونفسُك نفسَك تستحجب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
وإذ أنت تكثر ذمّ الزمانومشيك أضعاف ما تركب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
فقلت كريمٌ له همةٌينال فأُدرك ما أطلب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
فنلتَ وأقصيتني جانباًكأني ذو عرّةٍ أجرب

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.