من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن المخاطبات
قال: ذكروا أن ابن القرية دخل على عبد الملك بن مروان، فبينا هو عنده إذ دخل بنو عبد الملك عليه، فقال: من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين؟ قال: ولد أمير المؤمنين. قال: بارك الله لك فيهم كما بورك لأبيك فيك وبارك لهم فيك كما بورك لك في أبيك. فحشا فاه دراً.
قال: وقال عمارة بن حمزة لأبي العباس وقد أمر له بجوهر نفيس: وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرّك، فوالله لئن أردنا شكرك على إنعامك ليقصرن شكرنا عن نعمتك كما قصر الله بنا عن منزلتك.
قال: ودخل شبيب بن شيبة على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إن الله جل وعز حيث قسم الدنيا لم يرض لك إلا بأرفعها وأشرفها فلا ترض لنفسك من الآخرة إلا بمثل ما رضي لك من الدنيا، وأوصيك يا أمير المؤمنين بتقوى الله فإنها عليكم نزلت ومنكم قُبلت وإليكم تُردّ.
قال: وقال إبراهيم الموصلي للهادي وقد غناه صوتاً أعجبه: إن من كان محله من الانبساط وتقارب الندام محلي جرّأه البسط على الطلب وبعثته المنادمة على الرجاء، وقد نصب لي أمير المؤمنين لقربي منه مشارع الرغبة وحثّني مكان حالي عنده على الكروع في النهل من يده. فقال له: سل حاجتك شفاهاً فإني جاعل فعلي إجابتك إليه حاضراً. فسأله قيمة خمس مائة ألف درهم فأعطاه ألف ألف درهم.
قيل: ودخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الرشيد فقال: كيف حالك؟ فقال:
سوامي سوام المكثرين تجملاًومالي كما قد تعلمين قليل
وآمرةٍ بالبخل قلت لها اقصريفذلك شيءٌ ما إليه سبيل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنىورأي أمير المؤمنين جميل
أرى الناس خلان الجواد ولا أرىبخيلاً له في العالمين خليل
فقال الرشيد: هذا والله الشعر الذي صحّت معانيه وقويت أركانه ولذّ على أفواه القائلين وأسماع السامعين، يا غلام احمل إليه خمسين ألف درهم. قال إسحاق: كيف أقبل صلتك يا أمير المؤمنين وقد مدحت شعري بأكثر مما مدحتك؟ قال الأصمعي: فعلمت أنه أصيد للدرهم مني.
قال: وقال المأمون لإبراهيم بن المهدي: شاورت في أمرك فأشاروا عليّ بقتلك. فقال: أما أن يكونوا نصحوك فيما جرت به السياسة وحكمت به الرياسة فقد فعلوا ولكنك تأبى أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله، فإن عاقبت فلك نظير وإن عفوت فليس لك نظير، وإن جرمي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أنطق فيه بعذر وعفو أمير المؤمنين أجلّ من أن يفي به شكر. فقال المأمون: مات الحقد عند هذا العذر. فاستعبر إبراهيم وبكى، فقال له المأمون: ما لك؟ قال: الندم إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام عليّ.
وحدثني سعيد بن مسلم قال: قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد المؤانسة وإخراج ما كان في قلبه عليه: يا عم ما الذي حملك على منازعة من جرى قدر الله ﷿ له بتمام أمره وإصلاح شأنه؟ قال: طلب صلاح حالي يا أمير المؤمنين وتوفر ما تتسع به يدي على خاصتي وعامتي. قال: فقدر ما شئت وهو لك مشاهرة. قال: إذاً تجدني بحيث تحب ويجري حكمك عليّ وفي كما يجري في أحد عبيدك. وقد قلت في ذلك:
أرى الحر عبداً للذي سيب كفهشراه بما قد غاظه غاية الحمد
على أن ملك الحر أسنى ذريعةإلى المجد من مال يصان ومن عبد
وإن خُصّ بيع مِلك حرٍ بنعمةإذا قوبلت بالشكر قارنها المجد
فقال: لئن كان ذلك كذلك إني لأهل أن أرفعك بمواد نعمتي عليك عن أن يقال هذا فيك أو تمتهنك عين أحد بذلة.
قال: ودخل المأمون ذات يوم إلى الديوان فنظر إلى غلام جميل على أذنه قلم فقال: من أنت يا غلام؟ قال: يا أمير المؤمنين الناشيء في دولتك والمتقلب في نعمتك والمؤمل لخدمتك الحسن بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان في البديهة تتفاضل العقول. يرفع عن مراتب الديوان إلى مراتب الخاصة ويعطى مائة ألف درهم معونة له. ففعل به ذلك.
قال: ودخل يزيد بن جرير على المأمون وكان وجد عليه فقال: أيزيد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين غذيّ نعمتك وخرّيج صنيعتك وغرس يدك الذي لم يشركك فيه مصطنع ولم يسبقك إلى تخريجه أحد، ولم أزل يا أمير المؤمنين بعفوك بعد سخطك راجياً وببصيرة رأيك في الانفراد بردّي إلى ما عودتني واثقاً حتى أقامني الله جل وعز هذا المقام الذي فيه إدراكي أملي ونيلي محبتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يشهرني برضاه كما شهرني بسخطه فعل إن شاء الله! فقال: قد رضي عنك أمير المؤمنين.
قال: ووصف يحيى بن خالد الفضل بن سهل وهو غلام على المجوسية للرشيد وذكر أدبه وحسن مذهبه وجودة معرفته فعمل على ضمه إلى المأمون.
فقال يوماً ليحيى: أدخل إليّ هذا الغلام المجوسي حتى أنظر إليه، ففعل يحيى ذلك، فلما مثل بين يديه وقف وتحير وأراد الكلام فأُرتج عليه وأدركته كبوة، فنظر الرشيد إلى يحيى نظر منكر لما كان تقدم من تفريطه إياه، فانبعث الفضل فقال: يا أمير المؤمنين إن من أبين الدلالة على فراهة المملوك شدة إفراط هيبته لسيده. فقال له الرشيد: أحسنت والله! لئن كان سكوتك لتقول هذا إنه لحسن وإن كان هذا شيء أدركك عند انقطاعك إنه لأحسن وأحسن. ثم جعل لا يسأله عن شيء إلا رآه مقدماً فيه مبرزاً. فضمه المأمون في ذلك اليوم.
وقال الفضل بن سهل للمأمون وقد سأله حاجة لبعض أهل بيوتات دهاقين سمرقند ووعد تعجيل إنفاذها فتأخر ذلك عليه: يا أمير المؤمنين هب لوعدك تذكراً من نفسك وهنيء سائلك حلاوة نعمتك واجعل ميلك إلى ذلك في الكرم حاثاً على اصطفاء شكر الطالبين لتشهد القلوب بحقائق الكرم والألسن بنهاية الجود. فقال: قد جعلت إليك إجابة سؤّالي عني بما ترى فيهم وأخذتك بالتقصير فيما يلزم لهم من غير استثمار ولا معاودة في إخراج الصكاك من أخضر المال متناولاً. قال: إذاً لأتحدى معرفتي بما يجب لأمير المؤمنين الهنأُ بما يديم له حسن الثناء، ومن دعائهم طول البقاء.
قال: وقال الفضل بن سهل للمأمون: يا أمير المؤمنين اجعل نعمتك صائنة لماء وجوه خدمتك عن إراقته في غضاضة السؤال. فقال المأمون: والله لا كان ذلك إلا كذلك.
قال: ودخل العتابي على المأمون فقال: يا أبا كلثوم خُبّرت بوفاتك فغمتني ثم جاءتني وفادتك فسرتني. فقال: يا أمير المؤمنين كيف أمدحك أو بماذا أصفك ولا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك! فقال: سلني عما بدا لك. قال: يداك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة.
قال: وتكلم المأمون يوماً فأحسن فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك! إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته، أو في النجم فأنت هرمس في حسابه، أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب، ﵁، في علمه، وإن ذكر السخاء كنت حاتماً في جوده، أو الصدق فأنت أبو ذر في صدق لهجته، أو الكرم فأنت كعب بن مامة في إيثاره على نفسه، أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه. فاستحسن قوله وتهلل وجهه.
قال: وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون: يا أمير المؤمنين ليس للعافي بعد القدرة عليه ذنب، وليس للمعاقب بعد المِلك عذر. قال: صدقت فما حاجتك؟ قال: فلان. قال: هو لك.
قال: وقال الواثق يوماً لأحمد بن أبي دؤاد وقد تضجّر بكثرة حوائجه: قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك والمتوصلين إليك! فقال: يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصل بك وذخائر أجرها مكتوب لك وما لي من ذلك إلا عشق الألسن لخلود المدح فيك. فقال: يا أبا عبد الله والله لا منعتك ما يزيد في عشقك وتقوى به منتك إذ كانا لنا دونك. وأمر فأُخرج له ثلاثون ألف دينار يفرقها في الزوار.
قال: وقدم أبو وجزة السلمي على المهلب بن أبي صفرة فقال: أصلح الله الأمير! إني قطعت إليك الدهناء وضربت إليك أكباد الإبل من يثرب. فقال: هل أتيتنا بوسيلة أو قرابة أو عشرة؟ قال: لا ولكني رأيتك لحاجتي أهلاً فإن قمت بها فأهل ذلك أنت وإن يحل دونها حائل لم أذمم يومك ولم أيأس من غدك. فقال المهلب: يعطى ما في بيت المال. فوجد فيه مائة ألف درهم فدفعت إليه، فأنشأ يقول:
يا من على الجود صاغ الله راحتهفليس يحسن غير البذل والجود
عمّت عطاياك من بالشرق قاطبةًوأنت والجود منحوتان من عُود
قال: ودخل الكوثر بن زفر على يزيد بن المهلب فقال: أصلحك الله! أنت أعظم قدراً من أن يستعان عليك ويستعان بك، لست تفعل من المعروف شيئاً إلا وهو أصغر منك، وليس من العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. قال: سل حاجتك. قال: تحملت عن قومي عشر ديات وقد نهكتني. قال: قد أمرنا لك بها وأضعفناها بمثلها. فقال الكوثر: إن ما سألتك هو بوجهي لمقبول منك، وأما ما بدأتني به فلا حاجة لي فيه. قال: ولم وقد كفيتك ذل السؤال؟ قال: لأني رأيت الذي أخذته مني بمسألتي إياك أكثر مما نالني من معروفك فكرهت الفضل على نفسي. قال يزيد: فأنا أسألك بحقك عليّ فيما أملتني له من إنزالك إليّ إلا قبلتها. فقبلها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع